اوسار أحمد/
في زمن رديء تكلفت فيه شاشات الهواتف بتفريخ البطولات الوهمية، لم يعد مستغربا أن يستيقظ المغاربة على نباح كائنات شاردة اختارت الهروب إلى جحور وراء البحار، لتنصب نفسها، بوقاحة عابرة للقارات، وصية على الشرف والوطنية. حالة المدعو هشام جيراندو لم تعد مجرد ظاهرة صوتية عابرة تقتات على “البوز” والابتزاز، بل تحولت إلى دراسة حالة إكلينيكية تجسد أبشع صور “الدياثة السياسية” والانهيار القيمي. فهذا الكائن المأزوم، الذي بدأ مسرحيته الهزلية بتقمص دور المعارض الشريف وادعاء امتلاك الحجج الخفية، سرعان ما سقط قناعه المهترئ، لينحدر إلى قاع سحيق من الانحطاط، مستبدلا مقارعة الأفكار بنهش أعراض العائلات واستباحة حرماتها، في إعلان صريح عن إفلاس أخلاقي تام وموت سريري لكل ذرة مروءة.
إن هذا الانتقال المفضوح من محاولة التشويش الممنهج على المؤسسات الوطنية إلى الغوص في وحل التشهير والقذف الشخصي، ليس إلا انعكاسا لسيكولوجية مهزوزة وعقدة نقص مزمنة تأبى أن تتصالح مع فشلها الذريع. فحين يفتقد المرء لبرهان العقل، يلجأ حتما إلى سلاطة اللسان، وحين يعجز عن مواجهة الحقائق الدامغة التي يسطرها رجالات الدولة في الميدان، يحتمي بظلام الفضاء الأزرق ليوزع الشتائم ويستجدي التعاطف بلغة القبور والرهبانيات الزائفة. استهدافه المريض لشخصيات وطنية وازنة من طينة فؤاد عالي الهمة، ومحاولاته اليائسة للنيل من قامات أمنية شامخة كعبد اللطيف الحموشي، الذي جعل من المؤسسة الأمنية المغربية مضرب مثل عالمي في الكفاءة والنجاعة، هي محاولات بائسة تعكس حجم الوجع الذي تسببه نجاحات المملكة لخصومها، الذين لم يجدوا سوى هذا المرتزق الرخيص لينوب عنهم في تصريف أحقادهم مقابل دريهمات العمالة المقيتة.
ما يمارسه جيراندو اليوم ليس نضالا ولا كشفا للمستور، بل هو هذيان محموم لمسخ رقمي يرى في الإساءة لرموز السيادة الوطنية جرعته اليومية للشعور بوجوده الزائف. إنه مشروع شخصي مبني على الابتزاز وتصفية الحسابات المريضة، يبيع الوهم للمغفلين ويقتات على الفتن، متناسيا في غمرة حماقته أن من يسترخص حرمات الناس ويجعل من الكذب والبهتان رأس ماله الوحيد، يوقع بيده شهادة وفاته الأخلاقية. هذا الصعلوك الرقمي الذي يرتدي عباءة الواعظ نهارا ويمارس أحط أنواع السمسرة ليلا، يعيش حالة من الفصام الذي يجعله يتوهم أنه بطل في ملحمة خيالية، بينما الواقع يراه مجرد أداة طيعة وبوق مأجور تحركه أصابع المتربصين بأمن واستقرار هذا البلد الأمين.
لقد أدرك المغاربة، بذكائهم الفطري وحسهم الوطني الأصيل، حقيقة هذه المسرحية الرديئة الإخراج، فهم باتوا يميزون جيدا بين النقد الغيور الذي يبني الأوطان، وبين النباح المأجور الذي يسعى عبثا لهدمها. ستظل قافلة المغرب سائرة بثبات نحو العظمة والنماء، يقودها جلالة الملك محمد السادس بحكمة وتبصر، في مسار صلب لا تلتفت فيه المملكة الشريفة لصدى أصوات نشاز اختارت طواعية أن تلقي بنفسها في مزبلة التاريخ. وسيبقى جيراندو وأمثاله مجرد ظواهر بئيسة، تذروها رياح الحقيقة، وتلاحقها لعنة الوطن وعار الخيانة إلى الأبد، ليمشوا بين الناس بلا كرامة ولا هوية، منبوذين تلفظهم كل نفس سوية تعرف معنى النخوة والارتباط بتراب هذا الوطن الأبي.
![]()


























