بقلم- حسن الوزان
في كتبه الجديد “نشيد الشك.. رحلات في ضفاف المعرفة” لا يطرح الكاتب والناقد عبد الكريم أوشاشا الشك باعتباره خللاً في التفكير، بل يرفعه إلى مرتبة الفضيلة المعرفية التي لا يمكن بدونها أن يولد أي وعي حقيقي. حتى ليبدو أن «نشيد الشك» موقفا فكريا وأخلاقيا، يعيد الاعتبار إلى القلق بوصفه طاقة خلاقة، تفتح أفق التساؤل بدل أن تغلقه.
يمارس أوشاشا في هذا العمل نوعًا من الحفر الهادئ في بنية اليقينيات، كاشفًا عن هشاشتها الكامنة. فاليقين، في نظره، ليس دائمًا علامة قوة، بل قد يكون قناعًا للكسل الفكري. لذلك، يشتغل النص على زعزعة ما يبدو بديهيًا، ويعيد مساءلة المسلمات التي تحكم علاقتنا بالعالم. إنها كتابة لا تبحث عن الطمأنينة، بقدر ما تتغيى البحث عن الحقيقة في أكثر أشكالها تعقيدًا والتباسًا.
في أحد أكثر محاور كتاب “نشيد الشك.. رحلات في ضفاف المعرفة” كثافة، يستعيد المؤلف تاريخ الرقابة كبنية متكررة في علاقة السلطة بالمعرفة. من محاكمات الفلاسفة في اليونان القديمة إلى قضايا المنع الحديثة، يتكشف خيط واحد: الخوف من الكلمة الحرة. وهنا، يتحول «نشيد الشك» إلى بيان ضمني دفاعًا عن حرية التفكير، وعن حق الكتاب في أن يوجد، حتى حين يزعج أو يصدم أو يخلخل.
لا ينفصل التفكير في المعرفة عن التفكير في الذاكرة. فالكتاب الصادر حديثا عن منشورات النورس يلامس سؤالًا بالغ الحساسية: هل نستعيد الماضي كما هو، أم كما نريده أن يكون؟ يفتح أوشاشا هذا الجرح الفلسفي بهدوء، ليبين أن الذاكرة ليست مخزنًا محايدًا، بل فعل تأويل دائم، يعيد تشكيل التجربة الإنسانية وفق ما نصير إليه. بهذا المعنى، يصبح الشك أيضًا أداة لفهم الذات، لا فقط العالم.
أسلوبيًا، ينجح المؤلف في تحقيق توازن نادر بين الصرامة الفكرية والنعومة الأدبية. فالنص لا يقع في جفاف المفهوم، ولا ينزلق إلى زخرفة لغوية فارغة. إنها كتابة متوترة وجميلة في آن، تستدعي القارئ كشريك في رحلة معرفية لا يملك صاحبها سوى يقين واحد: السؤال والشك.
لا يدّعي “نشيد الشك.. رحلات في ضفاف المعرفة” امتلاك الحقيقة. إنه كتاب يراهن على ذكاء القارئ، وعلى قدرته على تحمل قلق المعرفة دون السقوط في إغراء الإجابات السهلة. هو دعوة صريحة إلى إعادة التفكير في فعل القراءة ذاته: أن نقرأ لنرتبك أكثر… لأن في هذا الارتباك بالذات، تبدأ المعرفة.
![]()


























