قدم رئيس مجلس النواب الطالبي العلمي، خلال مداخلته في الندوة المخصصة للحصيلة الحكومية بالرباط، قراءة سياسية عميقة للتحول الذي تعرفه السياسات العمومية بالمغرب، مؤكداً أن المرحلة الحالية تميزت بالانتقال من منطق “الإجراءات المتفرقة” إلى منطق “السياسة العمومية المندمجة” المبنية على التخطيط والتقييم وتعبئة الإمكانيات بشكل منسجم.
وأوضح أن هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الذي جاءت فيه الحكومة الحالية سنة 2021، مباشرة بعد جائحة كوفيد-19، وفي ظرفية دولية اتسمت بتغيرات اقتصادية واجتماعية عميقة، فرضت إعادة صياغة الأولويات، وفي مقدمتها بناء أسس الدولة الاجتماعية.
وأضاف أن النقاش العمومي حول الأرقام والمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية عرف في البداية مرحلتين متناقضتين، بين التشكيك المسبق في المعطيات، ثم التشكيك في المؤسسات الدولية نفسها عندما تؤكد نفس الأرقام، معتبراً أن هذا النقاش أحياناً يبتعد عن جوهر السياسات العمومية القائم على التقييم الموضوعي بدل الجدل السياسي.
وشدد المتحدث على أن السياسة العمومية ليست خطاباً سياسياً أو مهارة لغوية، بل هي “اختيارات صعبة” تتطلب جرأة في اتخاذ القرار، وقدرة على إحداث التغيير داخل المجتمع، حتى وإن كان ذلك مصحوباً بتكاليف اجتماعية أو سياسية.
وفي هذا الصدد، أبرز أن العمل الحكومي الحالي انطلق من تصورين متكاملين: الأول يرتبط باستمرارية المرفق العمومي كما ينص عليه الدستور، والثاني يتعلق بتفعيل مشروع الدولة الاجتماعية الذي يهدف إلى توسيع الحماية الاجتماعية وضمان العدالة في الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وأشار إلى أن هذا التحول استند إلى رؤية استراتيجية تتماشى مع التوجيهات الملكية الداعية إلى ترسيخ الدولة الاجتماعية، مبرزاً أن الدستور المغربي منذ 1962 يحدد هوية الدولة كملكية اجتماعية ديمقراطية، وهو ما أعيد تفعيله بشكل أعمق في المرحلة الحالية.
كما أوضح أن ما يميز التجربة الحكومية الحالية هو تبني “عمل سياسي غير مريح”، يقوم على اتخاذ قرارات صعبة بدل البحث عن حلول سهلة قصيرة المدى، معتبراً أن هذا الاختيار هو ما يفسر طبيعة الإصلاحات الجارية، خصوصاً في مجالات الصحة والحماية الاجتماعية.
وفي سياق متصل، أشار إلى أن بلورة السياسات العمومية اليوم تتم في إطار مؤسساتي منظم تحت إشراف رئاسة الحكومة، بمشاركة مختلف القطاعات الوزارية، قبل أن تعرض على البرلمان في إطار رقابة تشريعية ومؤسساتية.
وكشف أن الحكومة اشتغلت على حوالي 760 وثيقة برلمانية مرتبطة بالسياسات العمومية خلال الفترة التشريعية الحالية، مبرزاً أن هذا الرقم يعكس حجم التفاعل بين الحكومة والبرلمان في صياغة وتقييم السياسات العمومية.
وانتقد في المقابل بعض المقاربات التي تتعامل مع هذه الوثائق بالأرقام والمعطيات دون تحليل أو نقاش موضوعي، داعياً إلى قراءة أكثر عمقاً للسياسات العمومية باعتبارها منظومة مترابطة لا يمكن تفكيكها إلى أجزاء منفصلة.
وختم مداخلته بالتأكيد على أن التحول الذي يعرفه المغرب اليوم هو تحول في العقليات قبل أن يكون تحولاً في البرامج، وأن نجاح مشروع الدولة الاجتماعية رهين بقدرة الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين على مواكبة هذا التحول بروح مسؤولة، قائمة على الجرأة في القرار والالتزام في التنفيذ.
![]()


























