هناك نوعان من الناس: من لا يفهم، ومن يفهم جيدا لكنه يختار أن يتجاهل أو أن يتحدّى. والخطر الحقيقي لا يأتي من الجهل، بل من هذا التعامي المقصود الذي يُبنى عليه وهم الاستمرار.
لنقرأ الصورتين الواضحتين، بلا نفاق.
الصورة الأولى تعود إلى زمن قريب، حين كان البعض يعتقد أن القليل من البلطجة، وبعض الاستعراض الفج للقوة، وشيئًا من “التخلويض”، كافٍ للعودة إلى الواجهة حتى بعد ارتكاب أخطاء جسيمة. كانت هناك قناعة راسخة بأن كل شيء قابل للترميم، وأن المواقع يمكن استرجاعها بوصفة البلطجة و”المكولسين”، وكأن الدولة مجرد متفرج يضبط الإيقاع ولا يتدخل.
الصورة الثانية أكثر خطورة، لأنها تعكس ذهنية متجذّرة: أشخاص يقولون في مجالسهم، دون حرج، إنهم سيفرضون كذبهم وبلطجتهم كأمر واقع، ويُنزلون أنفسهم منزلة “ملوك صغار”. يعتبرون أن الدولة لن تستغني عنهم، وأن الثقة التي مُنحت لهم تحوّلت إلى امتياز دائم، حتى لو تجاوزوا كل الحدود.
هنا الفخ الأخطر!
لأن الزمن تغيّر، ولأن الدولة تغيّرت.
ولمن يحتاج إلى دليل بسيط، بعيدًا عن التنظير، يكفي أن نتوقف عند حالة سعيد الناصري. في 2021، كان الرجل، وفق ما هو معروف ومتداول، يُفصّل خرائط الانتخابات داخل فضائه الخاص، وكأن المؤسسات مجرد واجهة. اليوم، أين هو؟ في السجن.
هذه ليست حكاية شخص. هذه رسالة مرحلة.
المغرب اختار مسارًا واضحًا: ترسيخ ثقافة المؤسسات، وتكريس سيادة القانون. ليس بالشعارات، بل بالتدرّج. الدولة لا تُدير المعارك بالانفعال، ولا تُسقط التوازنات دفعة واحدة. تعطي فرصة، ثم ثانية، ثم ثالثة، لكنها، في المقابل، لا تسمح بأن يتحول الفساد إلى بنية فوق الدولة.
حين يصبح الفساد جبلًا، لن تهدمه الدولة بالعنف، بل ستفككه بالقانون. هدم ناعم، ذكي، يُضعف الداخل قبل أن يُسقط الواجهة. بدل أن ينخر الفساد الدولة، توظف الدولة أدواتها لتنخر جبل الفساد نفسه… خطوة خطوة.
لذلك، من يمتنع عن الفهم سيدفع الثمن.
قواعد اللعبة تغيّرت: لا حصانة خارج القانون، لا نفوذ دائم خارج المؤسسة، ولا زمن يسمح بإعادة تدوير نفس الوجوه بنفس الأخطاء.
الرسالة واضحة… لكن ليست للجميع. الرهان اليوم لم يعد على من يرفع صوته أكثر، ولا على من يُتقن لعب دور “البلطجي المؤثر”، بل على من يستوعب أن قواعد اللعبة تغيّرت: الشرعية لا تُمنح خارج المؤسسات، والزمن الذي كان يسمح بإعادة تدوير نفس الوجوه رغم الأخطاء الجسيمة قد انتهى.
إنها لحظة انتقال هادئ، لكنها حاسمة. ومن لم يقرأ إشاراتها جيدًا، سيجد نفسه خارج الصورة… أو داخلها، ولكن في موقع آخر تماما.
![]()

























