اوسار أحمد /
أخيرًا، وبعد طول تفكير، خرجت كندا يوم 28 أبريل 2026 من منطقتها الرمادية، ونشرت وزارة خارجيتها بلاغًا رسميًا، بكلمات موزونة ومضبوطة، تعلن فيه أن مخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو “الأساس الجدي وذو المصداقية لحل النزاع” في الصحراء المغربية.
هذا الموقف، الصادر عن دولة بوزن كندا في أمريكا الشمالية، ليس مجرد “زلة لسان” دبلوماسية، بل هو استيعاب متأخر ولكنه ضروري للتحول الذي فرضه قرار مجلس الأمن الأخير 2797. أوتاوا، مثلها مثل العديد من العواصم التي كانت تفضل اللعب على الحبلين، فهمت أخيرًا القاعدة المغربية الذهبية: المغرب لا يساوم في سيادته، ونظارة الصحراء هي المعيار الذي نرى به صدق الصداقات من نفاقها.
لكن، وهذا هو الأهم في بلاغ الدبلوماسية الكندية، أنهم تحدثوا عن فتح صفحة جديدة عنوانها العريض “الاحترام المتبادل” و”الحوار البناء”. كلام جميل، يقطر عسلاً دبلوماسيًا، لكن دعونا نضع هذا “الاحترام” تحت مجهر الواقع: هل هذا الاحترام المتبادل يعني فقط الاعتراف بخريطة البلاد كاملة، وترك التراب الكندي في الوقت ذاته مرتعًا للفوضى والتسيب الرقمي ضد المغرب والمغاربة؟
المغرب دولة مؤسسات، وعندما يتحدث عن الاحترام المتبادل مع كندا، فهو لا يبحث فقط عن اعتراف حبر على ورق، بل يبحث عن “نظافة” هذه العلاقة الجديدة. لا يُعقل أن تمد أوتاوا يدها اليمنى لمصافحة الرباط في العلن، بينما تترك يدها اليسرى تحتضن وتحمي “أشباه معارضين” ومجرمين فارين من العدالة، حولوا الأراضي الكندية إلى منصة خلفية لإطلاق صواريخ التشهير والابتزاز والترهيب الرقمي ضد المغاربة ومؤسساتهم.
الدبلوماسية الحقيقية لا تتجزأ. فكما أن كندا فهمت اليوم حقيقة النزاع المفتعل في الصحراء المغربية، عليها أن تفهم حقيقة الملفات الجنائية التي تتستر خلف يافطة “اللجوء” و”حرية التعبير”. نحن هنا لا نتحدث عن معارضين سياسيين يحملون مشاريع فكرية، بل نتحدث عن “عصابات رقمية” عابرة للحدود. نتحدث عن أشخاص من طينة “الفرشة” و”جيراندو” و”مومني” وغيرهم من الطيور المهاجرة الهاربة من ملفات النصب المالي والجرائم الاقتصادية في المغرب، والذين وجدوا في الفضاء الكندي ملاذًا آمنًا لممارسة أبشع أنواع الابتزاز ضد مواطنين وشركات وشخصيات مغربية.
اليوم، المحك الحقيقي لـ”الحوار البناء” الذي تتغنى به كندا يجب أن يشمل الجانب القانوني والقضائي:
* لا توجد علاقة استراتيجية صلبة بدون اتفاقيات واضحة لتسليم المجرمين والمبحوث عنهم.
■ الاحترام المتبادل يعني أن تتعامل السلطات القضائية الكندية بجدية مع مذكرات التوقيف والملفات الجنائية التي تدين هؤلاء “اليوتيوبرز” النصابين.
■ القانون الكندي نفسه لا يسمح بالتشهير والابتزاز وتدمير سمعة الناس، فلماذا يتم غض الطرف عندما يكون الضحايا مغاربة؟
المؤشرات التي تُقرأ بين سطور البلاغ الكندي توحي بأن أوتاوا بدأت تستوعب أن الاستمرار في احتضان هذه الأوراق المحروقة أصبح مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا، ولا يستقيم مع الرغبة في بناء شراكة استراتيجية مع قوة إقليمية بحجم المغرب.
لقد أعلنت وزيرة الخارجية الكندية أنها ستقوم بزيارة للمغرب قريبًا لتنزيل هذه “الصفحة الجديدة” على أرض الواقع. نتمنى ألا تأتي حقيبتها الدبلوماسية محملة فقط بملفات الاستثمار ومشاريع التعاون الاقتصادي، بل يجب أن تتضمن أيضًا اتفاقيات واضحة للتعاون القضائي، تنهي هذا العبث الرقمي وتُفعل مساطر تبادل المتهمين.
بالمختصر المفيد، المغرب اليوم فرض احترامه في مجلس الأمن وفي عواصم القرار الكبرى، ولن يقبل بأن تكون كندا “ملاذًا ضريبيًا” لجرائم الابتزاز والتشهير. الرسالة وصلت، وعلى الهاربين من العدالة والمختبئين خلف شاشات اليوتيوب في كندا أن يجمعوا حقائبهم؛ فزمن الفوضى والتسيب قد انتهى، وعليهم من الآن أن يستعدوا لمواجهة مصيرهم المحتوم أمام القضاء.
![]()

























