اوسار أحمد/
في كل بقاع العالم الطبيعية، كرة القدم هي 90 دقيقة من المتعة والتنافس، تنتهي بصافرة الحكم ليتبادل اللاعبون القمصان، ويعود الجمهور إلى بيوته للتحضير لأسبوع جديد. إلا عند الجارة الشرقية، فالأمر يختلف تماماً. هناك، لم تعد مباراة كرة القدم مجرد لعبة، بل “معركة مصيرية”، والملعب ليس فضاءً رياضياً بل “جبهة قتال مفتوحة”، والمنافس ليس فريقاً رياضياً بل “عدو لدود” تجب إبادته بأي ثمن.
ما رأيناه ليلة أمس الأحد في ملعب مدينة آسفي من طرف “مجرمين” محسوبين على جمهور اتحاد العاصمة الجزائري، ليس “زلة قدم” ولا حماسة زائدة لشباب فقدوا أعصابهم لقرار تحكيمي في مباراة لم تبدأ أصلاً. من يعتقد ذلك فهو إما ساذج أو لا يقرأ التاريخ. ما حدث من عنف واعتداءات مجانية هو مجرد “نسخة كربونية” لماكينة الشحن الجزائرية التي تنتج لنا في كل مرة جماهير معبأة بأحقاد سياسية لا علاقة لها بالرياضة.
هل نسيتم “أم درمان”؟ في عام 2009، لم تكن مواجهة المنتخبين الجزائري والمصري في السودان مجرد مباراة فاصلة للتأهل لكأس العالم، بل حُولت بقدرة قادر إلى “حرب داحس والغبراء”. يومها، قام كابرانات الجزائر بتجنيد الطائرات العسكرية لنقل المشجعين وكأنهم جنود مشاة ذاهبون لتحرير الأرض، وتحولت شوارع الخرطوم إلى ساحة وغى استُعملت فيها الأسلحة البيضاء. نفس العقلية التي اعتبرت الأشقاء المصريين أعداءً بالأمس، هي ذاتها التي نزلت إلى مدرجات آسفي أمس بعقلية الاستفزاز وتصفية الحسابات السياسية، محطمة كل ما يمت بصلة للروح الرياضية.
وإذا أردنا أن نضع أصبعنا على الجرح بشجاعة، فلا يجب أن نكتفي بجلد هؤلاء المغرر بهم. فهؤلاء هم “ضحايا” قبل أن يكونوا “جناة”. ضحايا لمن؟ لآلة إعلامية رسمية وقنوات “صرف صحي” تديرها كابرنات الجزائر، لا شغل لها سوى حقن عقول المواطنين بجرعات يومية من نظريات المؤامرة. إعلام يصور لهم أن العالم بأسره يتآمر عليهم؛ الكاف ضدهم، الفيفا تتربص بهم، والجار يخطط لإسقاطهم. عندما يخرج “محلل” في استوديو رياضي ليتحدث عن خطة لعب بمصطلحات عسكرية وتهديدات مبطنة، فمن الطبيعي جداً أن يذهب المشجع إلى الملعب وهو يحمل في رأسه فكرة “الشهادة أو الانتصار” بدل “الربح والخسارة”. لقد حولوا الكرة إلى منصة لتصريف الاحتقان الداخلي وتصدير الأزمات.
الحقيقة التي يجب أن يتكلم عليها إعلام كابرانات الجزائر هي قرار الولايات المتحدة الأمريكية باشتراط على مشجعي الجزائر دفع كفالة مالية فلكية تبلغ **15 ألف دولار** (ما يعادل ثروة بالنسبة للمواطن البسيط) للحصول على تأشيرة المونديال. لماذا؟ ليس لأن أمريكا تخاف من “جماهير الكراغلة” أو الألعاب النارية في المدرجات، بل لأنها تعرف جيدا أن هؤلاء الشباب، المقهورين بسبب سياسات بلدانهم العبثية، مستعدون لتمزيق تذاكر العودة وحرق جوازات سفرهم و”كسر الفيزا” للبقاء كـ”حراكة” (مهاجرين غير شرعيين) في شوارع نيويورك هرباً من جحيم ما يُسمى بـ”القوة الضاربة”. أمريكا فرضت هذه الضمانة المالية الصارمة لتتأكد من عودتهم، لأنها تدرك أن من شحنه إعلامه بالوهم والخداع، سيبحث عن أول رحلة هروب نحو الحلم الأمريكي، ولن يعود أبداً ليسمع أسطوانة “المؤامرة الكونية” من جديد!
فمتى سيفهم “الكراغلة” أن كرة القدم تُلعب بالأقدام والمتعة، وليس بالدبابات والبروباغندا الفارغة؟
![]()























