حين تتحول صفحة هشام جيراندو إلى ألبوم صور لاستهداف المؤسسة الأمنية…

حين تتحول صفحة هشام جيراندو إلى ألبوم صور لاستهداف المؤسسة الأمنية…

- ‎فيرأي, واجهة
جيراندو 2
Stylish Audio Player

راديو إكسبرس

البث المباشر

نجيبة جلال

لم يعد ما ينشره هشام جيراندو في صفحاته الرقمية يندرج ضمن خانة التعبير أو حتى الادعاء الصحفي، بل انحدر إلى مستوى مقلق من الاستهداف الشخصي الممنهج لموظفي الدولة، وبالخصوص المسؤولين الأمنيين المغاربة. فبعد أن سُدّت في وجهه منافذ “الوقائع” وانهارت رواياته تباعًا أمام الرأي العام، لجأ إلى أسلوب بديل: تحويل صفحته إلى ما يشبه ألبوم صور لأطر أمنية، بعضهم معروف بحكم مواقعهم، وكثير منهم يقتضي عملهم السرية والتكامل المؤسساتي بعيدًا عن الأضواء.

هذا التحول ليس بريئًا ولا عرضيًا. في أدبيات الحروب المعلوماتية، يُعدّ نشر صور ومعلومات شخصية عن الفاعلين الأمنيين شكلًا من أشكال الضغط والتهديد غير المباشر، ومحاولة لكسر جدار الحماية المعنوية الذي يحيط بالمؤسسات السيادية. إذ لا يملك من يلجأ إلى هذا الأسلوب معطيات حقيقية أو ملفات موثقة، فيستعيض عن الفراغ الوقائعي بالتشهير البصري، وعن العجز المهني بالتلفيق السردي. وهكذا تُنسب إلى أشخاص يؤدون واجبهم في صمت تفاصيل وهمية، ومسارات مختلقة، وأدوار لا وجود لها إلا في مخيلة من نشرها.

الأخطر أن هذا السلوك يطال فئة وظيفية يفرض عليها القانون ذاته الذي يضبط عملها حدًا عاليًا من التحفظ وعدم الرد. فالمسؤول الأمني، بخلاف الفاعل السياسي أو الإعلامي، لا يملك حق الظهور أو التوضيح أو الدفاع العلني عن نفسه، لأن طبيعة مهمته تقوم على السرية، وحماية المصادر، وسلامة العمليات. واستغلال هذا القيد الأخلاقي والوظيفي لتحويله إلى مادة للتشهير هو في جوهره استقواء على الصمت المفروض، ومحاولة رخيصة لتسجيل نقاط وهمية في فضاء رقمي متخم بالادعاءات.

وليس خافيًا أن هذا الانحدار يتزامن مع أفول منظومة كان جيراندو يتغذى عليها لسنوات: النصب، والابتزاز، وبيع الوهم تحت غطاء “كشف الأسرار”. ومع تآكل مصادر التمويل تلك، يدخل صاحبها مرحلة الإنهاك، حيث يصبح القذف والسبّ آخر متنفس، ليس بحثًا عن الحقيقة، بل أملًا في إعادة إنتاج معادلة الابتزاز: نشر، فاستفزاز، فانتظار رد أو تنازل. غير أن المؤسسة الأمنية المغربية، بتاريخها وتماسكها، أثبتت مرارًا أنها لا تُدار بمنطق الانفعال، ولا تُبتز بضجيج الصفحات.

إن تحويل صور المسؤولين الأمنيين إلى مادة للنشر العدائي لا يمسّ أشخاصًا بقدر ما يستهدف مرفقًا سياديًا يشتغل وفق قواعد دولة، وتحت رقابة القانون، وفي خدمة أمن المواطنين. والخلط المتعمد بين النقد المشروع للمؤسسات — وهو حق مكفول — وبين التشهير بالأفراد العاملين فيها، يمثل انزلاقًا خطيرًا من حرية التعبير إلى الاعتداء الرمزي على هيبة الدولة.

في النهاية، تبقى الحقيقة أبسط من كل السرديات المفبركة: حين يعجز من اعتاد الابتزاز عن إيجاد وقائع، يستبدلها بالصور؛ وحين تسقط الرواية، يُرفع الصوت؛ وحين تنضب الموارد، يُستدعى القذف. غير أن المؤسسات التي تقوم على الشرعية والاحتراف لا تُدار بردود الأفعال، ولا تتأثر بضجيج من لفظتهم الوقائع. ويبقى أمن الدولة أكبر من أن يُختزل في منشورات، وأقوى من أن يُبتز بصور.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *