نيكول مارتنز : المديرة التنفيذية لمنظمة Just Share.
تُظهر التداعيات العالمية التي تخلفها حرب إيران مرة أخرى أن الوقود الأحفوري، من منظور المستثمرين، ليس مجرد تعرض لسلعة أخرى، بل هو عبء جيوسياسي. لطالما كانت أسعار النفط والغاز غير مستقرة بنيويا، حتى أن ارتباكات العرض في أي مكان قد تشعل شرارة صدمات اقتصادية مفاجئة في كل مكان. ولأن النفط يقع في قلب نظام الطاقة العالمي، فإن التقلبات تنتشر بسرعة عبر النظام المالي.
والعواقب التي تتحملها الاقتصادات الأفريقية وخيمة بشكل خاص، حيث تخضع عملاتها للضغوط كلما ارتفعت أسعار النفط. فكل دولار إضافي للبرميل يزيد من تكاليف الاستيراد وشدة القيود المفروضة على صرف العملات الأجنبية. ويتحمل الراند الجنوب أفريقي، والشلن الشرق أفريقي، وعملات أخرى عديدة، وطأة هذه الصدمة.
ثم تكشف هذه الديناميكية ذاتها عن مشكلة أعمق تواجه البنوك والمستثمرين المؤسسيين. فبرغم أن تمويل الوقود الأحفوري كثيرا ما يُصوَّر على أنه وسيلة لدعم أمن الطاقة أو التنمية الاقتصادية، فإنه ينتج غالبا الأثر المعاكس، فيرسخ الاعتماد على سلعة عالمية متقلبة تتأثر أسعارها بنزاعات تدور على بُـعد آلاف الأميال.
والتأثيرات التي يخلفها هذا على وكلاء الائتمان بعيدة المدى. يتعين على الأمناء، والمديرين، ومديري الأصول التصرف بما يحقق مصلحة المستفيدين. إنهم مطالبون بإدارة المخاطر بحكمة وحماية القيمة في الأمد البعيد، وهذا يعني في الممارسة العملية بناء محافظ استثمارية قادرة على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية والتغيرات الاقتصادية البنيوية.
يصطدم التعرض للوقود الأحفوري على نحو متزايد بهذا الالتزام. ففي النهاية، لم تكن التقلبات التي شهدناها خلال هذه الأزمة الأخيرة حالة شاذة. إنها سمة بنيوية لنظام الوقود الأحفوري. تستجيب أسعار النفط على الفور للتوترات الجيوسياسية، والعقوبات، وارتباكات الشحن البحري، وانعدام الاستقرار السياسي. وبالتالي، فإن المستثمرين الذين يعتمدون على أسواق طاقة مستقرة يراهنون على استمرار الهدوء الجيوسياسي. وهذه ليست استراتيجية استثمارية مسؤولة أو مستدامة.
يُبرِز الصراع الإيراني خطرا متناميا آخر: الأصول العالقة. يتعامل المستثمرون مع هذه المسألة غالبا على أنها مشكلة قد تنشأ بعد عقود من الآن مع تقدم عملية تحول الطاقة. لكن الأحداث الأخيرة تشير إلى أن هذا الخطر قد يتجسد في وقت أقرب كثيرا. عندما ارتفعت أسعار النفط إلى عنان السماء في أوائل مارس/آذار، لم تتمكن اقتصادات أفريقية عديدة من تحمل تكاليف الواردات. ارتفعت تكاليف الطاقة بشكل حاد، وعانت شركات المرافق العامة من صعوبات في سداد مستحقات الموردين، وواجهت الحكومات ضغوطا مالية متزايدة. في ظل هذه الظروف، قد تصبح البنية الأساسية للوقود الأحفوري عالقة اقتصاديا قبل وقت طويل من نهاية عمرها المتوقع. إذا لم يستطع العملاء تحمل تكاليف الوقود، فإن الأصل يتوقف عن تحقيق عوائد يمكن التعويل عليها اليوم، وليس بعد 20 عاما.
يتمثل تحدٍ آخر ذو صلة في التعثر المالي. وقد فرضت بنوك أفريقية كبرى عديدة ــ بما في ذلك مجموعة ستاندرد بنك، ومجموعة نيدبانك، وفيرستراند المحدودة ــ بالفعل قيودا على التعرض للفحم والنفط بحلول عام 2026. ومع تشديد الضوابط التنظيمية المناخية وسياسات الإقراض، قد يواجه المستثمرون الذين يدخلون في مشاريع الوقود الأحفوري الجديدة صعوبة في الخروج منها، لأنهم سيصبحون عالقين في أصول غير سائلة لا يريدها أحد. في الواقع، وفقا لـ”إشارات مخاطر الطاقة في أفريقيا”، سجلت استثمارات الوقود الأحفوري في أفريقيا بالفعل انخفاضا يتجاوز النصف خلال العقد الماضي.
تصاحب هذه الضغوط تحولات قانونية أوسع نطاقا. ففي مختلف أنحاء العالم، تواجه المؤسسات المالية تدقيقا متزايدا بشأن المخاطر المناخية والواجب الائتماني. وتشكل قرارات المساهمين تحديا متزايدا لتمويل الوقود الأحفوري، وتستمر الدعاوى القضائية المرتبطة بالمناخ في التوسع. وتتوقع الهيئات التنظيمية الآن إفصاحات مفصلة عن المخاطر المالية المرتبطة بالمناخ.
في هذا السياق، يبدأ العمل كالمعتاد يبدو أشبه بالإهمال وأبعد عن كونه استراتيجية. يُلزِم الواجب الائتماني اليوم المؤسسات المالية بمراعاة ليس فقط العوائد الحالية، بل أيضا المخاطر البنيوية الكامنة في تحول الطاقة العالمي. هل يفي المديرون والأمناء الذين يتجاهلون هذه المخاطر بواجبهم في توخي الحذر؟
بطبيعة الحال، تشكل الشفافية عنصرا أساسيا في المسؤولية الائتمانية. فلا يستطيع المستثمرون إدارة مخاطر غير معترف بها. ومع ذلك، لا يزال الإفصاح متفاوتا. فإذا لم تتمكن المؤسسات المالية من تقييم مدى تعرضها للوقود الأحفوري بشكل كامل، فلن تتمكن من تقييم المخاطر التي تفرضها تلك الأصول على ميزانياتها العمومية بشكل سليم.
كما أن الإفصاح وحده لا يكفي. فالواجب الائتماني يفرض على المستثمرين التصرف بناء على المعلومات التي يمتلكونها. وإذا أظهرت البيانات أن تقلبات أسعار الوقود الأحفوري تؤدي إلى زعزعة استقرار العملات والمحافظ الاستثمارية الطويلة الأجل، فإن الإبقاء على درجة كبيرة من التعرض للوقود الأحفوري يصبح غير متوافق مع الإدارة الحصيفة، وتقتضي الحصافة إجراء عملية إعادة توزيع استراتيجية لرأس المال نحو بدائل أكثر مرونة واستدامة.
تتمتع أصول الطاقة المتجددة بالخصائص التي يحتاج إليها المستثمرون في الأمد البعيد على وجه التحديد. تعمل مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بهياكل تكلفة يمكن التنبؤ بها. وبمجرد إنشائها، لا تعتمد على أسعار السلع العالمية المتقلبة. ومن الممكن أن توفر اتفاقيات شراء الطاقة الطويلة الأجل تدفقات نقدية مستقرة ويمكن التعويل عليها. وبالنسبة للاقتصادات الأفريقية، تمتد الفوائد إلى ما هو أبعد من ذلك، لأن توسيع نطاق الطاقة المتجددة يقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد الـمُسَعَّر بالدولار الأميركي. ويؤدي توليد الكهرباء محليا إلى تعزيز أمن الطاقة وحماية العملات من صدمات أسعار النفط العالمية.
بهذا المعنى، يشكل الاستثمار في الطاقة المتجددة استراتيجية للبنية الأساسية وتحوطا ماليا في آن. وبعيدا عن كونه “بديلا”، فإنه يوفر على نحو متزايد الاستقرار الذي تحتاج إليه المحافظ الاستثمارية المؤسسية. فالوقود الأحفوري هو الذي يحمل المخاطر وأوجه انعدام اليقين المرتبطة بالرهانات البديلة.
وصلت المؤسسات المالية الأفريقية إلى مفترق طرق استراتيجي: فبوسعها أن تستمر في الدفاع عن تعرضها للوقود الأحفوري، فتجازف بذلك بخرق واجبها الائتماني، أو يمكنها تسريع إعادة تخصيص رأس المال نحو أنظمة الطاقة التي تعزز المرونة الاقتصادية وتوفر عائدات طويلة الأجل يمكن التنبؤ بها بدرجة أكبر.
الاختيار واضح. يجب على البنوك والمستثمرين المؤسسيين في مختلف أنحاء أفريقيا العمل على تسريع تمويل مشاريع الطاقة المتجددة، والبنية الأساسية للنقل والشبكات، وأسواق الطاقة الموزعة التي توسع نطاق القدرة على الوصول إلى الكهرباء مع تقليل الاعتماد على الوقود المستورد. سوف تكون هذه الاستثمارات متوافقة مع مصالح المستفيدين منها، وسوف تعمل على مواءمة المحافظ مع احتياجات البنية الأساسية الطويلة الأجل في القارة، وسوف تقلل من التعرض لصدمات الطاقة المدفوعة بظروف جيوسياسية.
الصراع الحالي هو مجرد تَذكِرة أخيرة بأن الاضطرابات التي يمر بها نظام الوقود الأحفوري ليست مجرد إزعاج دوري، بل هي سمة بنيوية. لطالما فرضت الواجبات الائتمانية على المستثمرين التمييز بين المخاطر التي يمكن إدارتها والمجازفات التي لا يمكن تبريرها. الآن، أصبح هذا التمييز أمرا لا مفر منه بالنسبة لاستثمارات الوقود الأحفوري. والسؤال ليس ما إذا كان ينبغي إعادة توجيه رأس المال الأفريقي، بل ما إذا كانت المؤسسات لتتحرك قبل أن تجبرها الأحداث على ذلك.
ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali
![]()
























