متابعة
ترأس نزار بركة، اليوم أمس بالرباط، أشغال ندوة وطنية هامة حول موضوع “الصحة النفسية في المغرب: نحو تحول جذري في النموذج الاجتماعي والصحي.. من الطب النفسي الإيوائي إلى سياسة مجتمعية متكاملة”، والتي نظمتها كل من رابطة الأطباء الاستقلاليين ورابطة الصيادلة الاستقلاليين.
وشكل هذا اللقاء مناسبة لفتح نقاش وطني حول واقع الصحة النفسية بالمغرب، في ظل التحولات الاجتماعية والقيمية والسلوكية المتسارعة، وما يرافقها من تنامي مؤشرات القلق والاكتئاب والهشاشة النفسية، خاصة في صفوف الشباب.
وفي كلمة بالمناسبة، تم التأكيد على أن الصحة النفسية أضحت من القضايا الراهنة ذات الأثر المباشر على تماسك المجتمع واستقرار الأسرة، في سياق ما يشهده المجتمع من تحولات عميقة، وما يرافق ذلك من معاناة صامتة وألم خفي يمس كرامة الإنسان.
كما تم استعراض عدد من المؤشرات التي تعكس عمق الإشكال، من بينها تسجيل نسب مهمة من الاضطرابات النفسية في صفوف المواطنين، إضافة إلى معطيات مقلقة مرتبطة بحالات الاكتئاب والانتحار، استنادا إلى بحث وطني قديم لم يتم تحيينه، وهو ما يطرح تحديات كبيرة على مستوى بناء سياسات عمومية فعالة، خاصة في ظل غياب معطيات حديثة حول انعكاسات جائحة كوفيد والتحولات الرقمية على الصحة النفسية.
وفي هذا السياق، تمت الدعوة إلى إنجاز بحث وطني جديد وشامل، يتيح معطيات دقيقة ومحينة، من شأنها المساعدة على فهم التحولات المرتبطة بالقلق والهشاشة النفسية، وبروز سلوكات جديدة مثل العنف الرقمي.
كما أبرزت المداخلات أن الصحة النفسية بالمغرب تواجه أزمة متعددة الأبعاد، تشمل الجوانب القانونية والمالية والمجالية وكذا الوعي المجتمعي، مما يستدعي إطلاق إصلاحات جريئة ومتكاملة، مع استحضار العناية الملكية السامية التي ما فتئت تولي أهمية خاصة لهذا الورش، خصوصا عبر المبادرات الموجهة لفائدة الشباب.
وفي هذا الإطار، تمت الدعوة إلى إحداث أربع قطائع أساسية، أولها مراجعة الإطار القانوني المنظم للصحة النفسية ومهن علم النفس، بما يضمن حقوق المرضى ويعزز الطب النفسي المجتمعي. والثانية تتمثل في الاستثمار في الموارد البشرية، في ظل الخصاص الكبير المسجل على مستوى الأطباء والتجهيزات، مع تعزيز التكوين وتحفيز العمل في الوسط القروي.
أما القطيعة الثالثة فتهم تعزيز الوقاية عبر المدرسة والفضاء العمومي والحي، وتوسيع خدمات الدعم النفسي لفائدة الشباب، في ظل مؤشرات مقلقة حول انتشار سلوكات مرتبطة بالانتحار. فيما ترتكز القطيعة الرابعة على كسر الصمت ومحاربة الوصم الاجتماعي المرتبط بالأمراض النفسية، عبر حملات تحسيسية وإشراك مختلف الفاعلين.
وفي ختام هذا اللقاء، تم التأكيد على أن الصحة النفسية ليست ترفا، بل ركيزة أساسية للتنمية، تستوجب الرفع من الميزانيات المخصصة لها، وإدماجها ضمن منظومة التغطية الصحية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يرسخ مقاربة أكثر عدالة وإنصافا ويجعل من الصحة النفسية أولوية في السياسات العمومية.
![]()


























