يبرز المغرب كفاعل صاعد في قطاع الطيران، وذلك على هامش الدورة الخامسة من ندوة دعم التنفيذ العالمي (GISS)، التي تنظم تحت إشراف منظمة الطيران المدني الدولي OACI، وتحتضنها مدينة مراكش بمشاركة واسعة تضم أكثر من 1500 خبير وممثل عن 130 دولة.
هذه التظاهرة الدولية تأتي في لحظة دقيقة تمر منها صناعة الطيران عالمياً، بعد سلسلة من الاضطرابات التي أعقبت التصعيد العسكري في الشرق الأوسط مطلع سنة 2026، والذي أدى إلى إغلاق مجالات جوية رئيسية وإعادة رسم مسارات الرحلات العابرة للقارات، فضلاً عن ارتفاع كلفة التشغيل وأسعار التأمين. هذا الوضع أعاد التأكيد على هشاشة المنظومة الجوية العالمية أمام الصدمات الجيوسياسية، وعلى أهمية الجاهزية البشرية والتقنية لضمان استمرارية القطاع.
في خضم هذا السياق المضطرب، يعرض المغرب مؤشرات نمو لافتة في قطاع الطيران. فقد سجل سنة 2025 رقماً قياسياً في حركة المسافرين بلغ 36,4 مليون مسافر، مدعوماً بتوسيع شبكة الخطوط الجوية وتنامي الربط الدولي، إضافة إلى تأثيرات تنظيم تظاهرات كبرى. كما عرف مستوى الامتثال لمعايير السلامة التابعة لمنظمة الطيران المدني الدولي قفزة مهمة من 64,38% إلى 87,52%، ما يعكس تحسناً ملموساً في منظومة السلامة الجوية الوطنية.
ولا يقتصر التطور على حركة النقل فقط، بل يمتد إلى الصناعة الجوية التي تحقق رقم معاملات يناهز 26,4 مليار درهم، مع حضور أكثر من 150 شركة وطنية ودولية، ونسبة إدماج محلي تفوق 40%. هذا التطور الصناعي يندرج ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز موقع المغرب كمركز إقليمي في صناعة الطيران، عبر تطوير سلاسل الإنتاج وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وفي إطار هذه الدينامية، تراهن المملكة على استراتيجية “المطارات 2030” التي تهدف إلى مضاعفة الطاقة الاستيعابية من 40 إلى 80 مليون مسافر سنوياً، بالتوازي مع خطة توسعة طموحة لشركة الخطوط الملكية المغربية، التي يُرتقب أن ترتفع أسطولها من 57 إلى 200 طائرة في أفق سنة 2037، بما يواكب الاستحقاقات الكبرى وعلى رأسها كأس العالم 2030.
غير أن هذا التوسع الطموح يواجه تحدياً مركزياً يتمثل في الموارد البشرية. فبينما تتسارع الاستثمارات في البنية التحتية وتوسيع الأساطيل، يظل تكوين الكفاءات وتأهيلها رهيناً بآجال زمنية طويلة تفرضها معايير الطيران الدولية. فإعداد طيار واحد للرحلات الطويلة يتطلب ما بين خمس وسبع سنوات من التكوين، فيما يحتاج ربان المراقبة الجوية إلى ثلاث إلى خمس سنوات، ويتطلب تقني الصيانة أربع سنوات على الأقل من التأهيل المتخصص.
ويضم القطاع حالياً حوالي 12.360 مستخدماً بين طيارين ومراقبي جو وتقنيي صيانة، وهي أرقام تبدو محدودة مقارنة مع الطموحات المستقبلية، ما يطرح تساؤلات حول قدرة منظومة التكوين على مواكبة هذا التحول السريع في حجم الأسطول وحركة المسافرين.
وفي هذا السياق، شدد وزير النقل واللوجستيك Abdessamad Kayouh على إطلاق برنامج تكوين طموح يهدف إلى تعزيز الكفاءات التقنية للقطاع وفق المعايير الدولية، دون تقديم تفاصيل دقيقة حول آليات التنفيذ أو التمويل أو الجدولة الزمنية، وهو ما يفتح النقاش حول جاهزية هذا الورش الاستراتيجي.
من جهته، حذر رئيس مجلس منظمة الطيران المدني الدولي Onuma Toshiyuki من الضغوط المتزايدة التي تواجه القطاع عالمياً، سواء على مستوى التمويل أو الموارد البشرية، أو حتى وتيرة التحول التكنولوجي، مؤكداً أن “القرارات الحاسمة أصبحت ضرورة ملحة في المرحلة الحالية”.
وبين الطموح الكبير والواقع التشغيلي، يجد المغرب نفسه أمام معادلة دقيقة: توسع سريع في البنيات والأساطيل يقابله تحدٍ أعمق يتعلق بتأهيل العنصر البشري في آجال زمنية لا يمكن اختصارها. وهي معادلة تجعل من الاستثمار في الإنسان شرطاً أساسياً لنجاح الرهانات الاستراتيجية، وليس مجرد مكون مكمّل لها، في قطاع لا يعترف بالتأخير ولا يحتمل الأخطاء.
![]()





















