أصدر الأكاديمي والروائي المغربي جمال بندحمان عمله السردي الجديد بعنوان “الجعاسيس” عن دار إفريقيا الشرق بالدار البيضاء، في خطوة تُعزّز حضوره داخل المشهد الروائي المغربي المعاصر. ويأتي هذا العمل ثالثًا في مساره الإبداعي بعد روايتيه “محنة ابن اللسان” و*”يوبا أعراب”*، اللتين لقيتا اهتمامًا نقديًا لافتًا.
في روايته الجديدة، ينسج بندحمان عوالم متعددة تتقاطع فيها السلطة بالمعرفة، ويقدّم ثلاث حكايات متوازية تعكس تباين الاختيارات والمصائر. تستند الرواية إلى مادة غنية مستمدة من أحداث مدوّنة ونصوص تراثية وسير شعبية، في محاولة لطرح إشكالات عميقة تتعلق بهشاشة المعرفة أمام سطوة التقاليد، وبالصراع الخفي بين الفكر الحر وآليات الضبط والتحكم.
تستعرض الحكاية الأولى سيرة “الجعاسيس”، تلك الفئة التي تمسك بخيوط التأثير في الحكم وتدبير الشأن العام، من خلال كتاب سري يكشف أساليبهم في توجيه القرارات، وإدارة علاقتهم بالمقرّبين والعامة، واستثمارهم للمعتقدات بما يخدم مواقعهم. كما تسلط الضوء على موقفهم من كل من يخرج عن النسق المفروض أو يتجرأ على مساءلة السلطة.
أما الحكاية الثانية، فتتجه نحو ضحايا هذا النسق، حيث تروي مصائر مفكرين ومبدعين اصطدموا بسلطة “الجعاسيس”، فدفعوا ثمن أفكارهم سجنًا أو قتلًا أو حرقًا، بل وصل الأمر إلى إتلاف ما دوّنوه من معارف، في صورة تعكس قسوة الصراع بين الإبداع والرقابة.
وفي الحكاية الثالثة، يمنح الكاتب الكلمة لنساء واجهن منظومة فكرية اختزلتهن في الجسد، ورفضن الخضوع لمنطق الغريزة، فخضن مواجهة صعبة ضد دعاة التحكم وأنصار الأهواء، مقدّمات تضحيات جسيمة دفاعًا عن قناعاتهن وحقهن في التفكير الحر.
تحضر شخصية “الجعاسيس” في الرواية كرمز مركزي يتجاوز بعدها الحكائي، لتجسد سلطة خفية تُوجّه السلوكات، وتتخذ القرارات، وتتحكم في مصائر الأفراد، بغض النظر عن انتماءاتهم أو أفكارهم. وبهذا المعنى، تطرح الرواية تساؤلات حادة حول طبيعة السلطة، وحدود المعرفة، وإمكانية التحرر من قيودهما.
بأسلوب يجمع بين البعد التأملي والبناء السردي المتماسك، يقدّم جمال بندحمان في “الجعاسيس” نصًا روائيًا يفتح أفقًا جديدًا للنقاش حول العلاقة المعقدة بين الفكر والسلطة، مؤكّدًا مرة أخرى حضوره كصوت أدبي يزاوج بين العمق الأكاديمي والجرأة الإبداعية.
![]()





















