كشف تقرير 2025 الصادر عن المركز الإسلامي لتنمية التجارة (CIDC)، والذي تم إطلاقه رسميًا يوم الاثنين بالرباط، عن دينامية غير مسبوقة يشهدها سوق الاقتصاد الحلال عالميًا، مع توقعات ببلوغه حوالي 3.1 تريليون دولار بحلول سنة 2027، مدفوعًا بنمو سنوي يناهز 7.3% وتوسع قاعدة المستهلكين التي تتجاوز ملياري شخص عبر العالم.
ويقدّم التقرير، الذي يحمل عنوان «Halal trade & investment in OIC member states 2025»، قراءة معمقة لتحولات هذا القطاع داخل دول منظمة التعاون الإسلامي، كاشفًا في الوقت نفسه عن اختلالات هيكلية مستمرة، سواء على مستوى سلاسل القيمة أو تموقع الدول الأعضاء في السوق العالمية.
وفي هذا السياق، شددت المديرة العامة لـCIDC، لطيفة البوعبدلاوي، على أن الاقتصاد الحلال لم يعد قطاعًا هامشيًا، بل تحول إلى رافعة استراتيجية للتنمية الاقتصادية في الدول الأعضاء، مشيرة إلى أن حجم الاستثمارات المعلنة في القطاع تجاوز 54.5 مليار دولار سنة 2023، في مقابل دينامية استهلاكية قوية تعيد تشكيل خريطة التجارة العالمية.
غير أن هذا النمو السريع يكشف في المقابل مفارقة لافتة: فرغم حجم السوق الضخم، لا تزال دول منظمة التعاون الإسلامي مستوردة صافية للمنتجات الحلال، مع عجز تجاري يناهز 59 مليار دولار سنة 2022، نتيجة واردات تفوق 403.5 مليارات دولار مقابل صادرات لا تتجاوز 344 مليار دولار، وهو ما يعكس استمرار الاعتماد على شركاء خارجيين مثل البرازيل والهند والصين في مواد أساسية كالحبوب واللحوم.
على مستوى تموقع الدول، يتصدر المشهد كل من الإمارات العربية المتحدة وتركيا وماليزيا، تليها السعودية ومصر، وهي دول استطاعت تحويل الاقتصاد الحلال إلى سياسة عمومية قائمة على الاستثمار الثقيل والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
أما المغرب، فيبرز في التقرير كفاعل متوسط التموقع داخل هذا النظام الاقتصادي، محتلاً المرتبة التاسعة ضمن دول منظمة التعاون الإسلامي، وهو موقع يعكس حضورًا متوازنًا دون قدرة بعد على فرض قيادة قطاعية واضحة.
ورغم هذا التموقع، يكشف التقرير عن تفاوت كبير في أداء المملكة حسب القطاعات. ففي السياحة الحلال، يحتل المغرب المرتبة الرابعة عالميًا، مستفيدًا من جاذبيته السياحية وقدرته على تكييف العرض مع الطلب الدولي المتزايد على السياحة العائلية المتوافقة مع المعايير الدينية. في المقابل، يتراجع ترتيبه إلى المرتبة 13 في الصناعات الغذائية الحلال، والمرتبة 9 في الصناعات الصيدلانية، و11 في قطاع الأزياء المحتشمة.
ويعكس هذا التوزيع غير المتوازن أن المملكة تمتلك مؤهلات قوية لكنها لا تزال غير مفعّلة بالشكل الكافي ضمن منظومة صناعية متكاملة قادرة على خلق قيمة مضافة عالية وولوج الأسواق العالمية بشكل تنافسي.
وفي ما يتعلق بالاستثمار، يظل حضور المغرب في مرحلة التأسيس، إذ لم يسجل سوى ثلاث صفقات كبرى في سنة 2023 ضمن قطاع الاقتصاد الحلال، مقارنة بعشرات العمليات في دول مثل إندونيسيا والإمارات. ومع ذلك، يبرز التقرير صفقة بارزة تتمثل في استثمار يفوق 70 مليون دولار في مختبر Laprophan، ما يعكس إمكانية تطور جاذبية المملكة في قطاع الصناعات الدوائية الحلال.
وتؤكد المديرة العامة لـCIDC أن الرهان الأساسي اليوم لم يعد مرتبطًا فقط بالإنتاج، بل بالتحول الرقمي والتكامل التجاري، عبر ما بات يُعرف بـ«التكنولوجيا التجارية Tradetech»، والتي تشمل الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات التتبع مثل البلوك تشين لضمان شفافية المنتجات الحلال.
وفي هذا الإطار، يشير التقرير إلى أن الدول التي سبقت في هذا المجال هي تلك التي استثمرت في البنية الرقمية للتجارة، ما منحها قدرة أكبر على التحكم في سلاسل الإمداد وتوسيع أسواقها التصديرية.
كما يسلط الضوء على أن قطاع الأدوية الحلال، الذي يُقدّر بحوالي 75 مليار دولار عالميًا، يظل مجالًا واعدًا للمغرب، لكنه يتطلب جهودًا كبيرة على مستوى البحث والتطوير ومعايير المطابقة، خصوصًا فيما يتعلق بمكونات مثل الجيلاتين والكحول الطبي.
أما في قطاع مستحضرات التجميل، فرغم الاستفادة من صورة المنتجات الطبيعية المغربية مثل زيت الأركان وماء الورد، فإن التحول إلى صناعة حلال معترف بها دوليًا يتطلب استثمارات أكبر في الابتكار والتصنيع واسع النطاق.
ويخلص التقرير إلى أن مستقبل الاقتصاد الحلال في الدول الأعضاء، ومن ضمنها المغرب، يتوقف على قدرة هذه الدول على الانتقال من مرحلة “الامتثال للمعايير” إلى مرحلة “بناء المعايير”، عبر سياسات وطنية مندمجة تشمل توحيد أنظمة الشهادات، تحسين جودة البيانات، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
وفي ظل هذا السياق العالمي المتسارع، يبدو المغرب أمام لحظة مفصلية: إما تثبيت موقعه كفاعل متوسط داخل سوق ضخم، أو إعادة تموضعه عبر استراتيجية هجومية تجعل منه لاعبًا مؤثرًا في واحدة من أسرع الصناعات نموًا في العالم، حيث لم تعد المنافسة مرتبطة بالإنتاج فقط، بل بامتلاك القدرة على قيادة قواعد اللعبة نفسها.
![]()





















