سونيا موزيكاروفا : خبيرة اقتصادية في البنك المركزي الأوروبي سابقا، ودبلوماسية سابقة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وكبيرة مستشاري نائب وزير الخارجية في جمهورية سلوفاكيا سابقا، هي كبيرة زملاء مجلس الأطلسي غير المقيمة.
كشفت الضربات الإيرانية التي استهدفت مراكز البيانات في الخليج عن نقطة ضعف أراد كثيرون تجاهلها. إن البنية الأساسية التي تدعم الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وغير ذلك من الصناعات ليست مجرد أصل سيبراني أو تجاري. بل هي أيضا هدف مُغر.
أوضحت إيران هذه النقطة بشكل جلي في الأول من مارس/آذار، عندما ضربت طائرات “شاهد” الـمُسَيَّرة آليا اثنين من مراكز البيانات التابعة لشركة “خدمات أمازون ويب” (AWS) في الإمارات العربية المتحدة وألحقت أضرارا بمنشأة ثالثة في البحرين، فتسبب هذا في تعطيل الخدمات المصرفية، والمدفوعات، وتطبيقات المستهلكين. ثم أصدر الحرس الثوري الإيراني قائمة تضم 29 هدفا إضافيا كان يخطط لمهاجمتها في مختلف أنحاء الخليج، بما في ذلك أصول إقليمية تابعة لشركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة مثل Google، وMicrosoft، وOracle، وNvidia، وIBM، وPalantir، والتي استخدمت وزارة الدفاع الأميركية بعض خدمات الذكاء الاصطناعي التي تقدمها ضد كل من إيران وفنزويلا.
هذه هي المرة الأولى التي يستهدف فيها أي بلد البنية الأساسية لمراكز البيانات التجارية بطريقة منظمة. وينبغي لأوروبا، على وجه الخصوص، أن تتوقف وتتأمل في الافتراضات التي تقوم عليها استثمارات البنية الأساسية الرقمية وعمليات نشرها، لأن الهجمات الإيرانية بالطائرات الـمُسَيَّرة آليا على مراكز البيانات في الشرق الأوسط لها تداعيات على أمنها الاقتصادي.
لفهم السبب، ينبغي لنا أن نفهم أولا كيف تغيرت بالفعل عمليات نشر البنية الأساسية للحوسبة السحابية والشبكات. في الماضي، كانت الحوسبة السحابية تعتمد إلى حد كبير على محاور مركزية ضخمة كانت تقع غالبا خارج بيئة المستخدم المباشرة؛ على سبيل المثال، كان الـمُـصَـنِّع أو الوسيط المالي الأوروبي يوجه أحمال العمل إلى مراكز بيانات AWS في شمال فيرجينيا. ولكن الآن، يجري تقريب هذه البنية الأساسية فعليا من المستخدم، والشركات، والخدمات العامة، والأنظمة الصناعية، والأجهزة الفردية التي تعتمد عليها ــ ما يشير إليه القطاع بمسمى “الحوسبة الطرفية”. تُظهر أبحاث أوروبية حديثة أن عدد العقد الطرفية في الاتحاد الأوروبي تنامى من 498 في عام 2022 إلى 1836 في عام 2024، ومن المتوقع أن تدمج 75% من الشركات الأوروبية حلول الحوسبة السحابية الطرفية في عملياتها بحلول عام 2030.
يعكس التوطين على هذا النحو اتجاهين يعززان بعضهما بعضا. يتمثل الأول في التوسع السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على الحوسبة المكثفة ومعالجة البيانات لحظيا. وكثير من هذه التطبيقات ــ مثل أنظمة الإدراك والتحكم في المركبات الذاتية القيادة وخوارزميات التداول العالية التردد ــ من غير الممكن أن تتحمل أي تأخير. ولأن حتى التأخيرات الصغيرة قد تؤدي إلى تدهور الأداء، أو الدقة، أو جودة الخدمة، فإن هذه الأنظمة تعتمد على معالجة منخفضة التأخير بالقرب من المكان الذي تُـوَلَّد فيه البيانات وتُـستَخدَم.
الاتجاه الثاني يتمثل في الضغط المتزايد من أجل توطين البيانات، والخصوصية، والامتثال التنظيمي ــ وهو اتجاه قوي بشكل خاص في أوروبا، بسبب اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) وقانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي. الآن، تتفكك بُنى الحوسبة السحابية التي كانت خاضعة للعولمة سابقا إلى عمليات نشر مقيدة بمناطق الاختصاص التي يجب أن تعمل ضمن الحدود القانونية، ولكل منها مجموعات الحوسبة، والتخزين، والمعالجة الخاصة بها.
ولكن في ظل الوضع الحالي، أصبحت البنية الأساسية للبيانات الموزعة المتعددة الطبقات التي تدعم الوظائف الـحَرِجة في أوروبا ــ عبر الاتصالات، والعمليات المالية، والرعاية الصحية، واللوجستيات، والعمليات الصناعية ــ تشكل عائقا. إذا كانت شركة اتصالات كبرى تدير بنية أساسية سحابية وحوسبة طرفية سيادية عبر دول أعضاء عديدة، فلن تتمكن من إعادة توجيه أحمال العمل عبر مناطق الاختصاص المختلفة بذات القدر من الحرية والسرعة التي تتمتع به شركات الحوسبة السحابية العملاقة (ومعظمها مقرها الولايات المتحدة). تخضع بيانات شبكة هذه الشركة ــ سجلات حركة المرور، وبيانات تعريف المشتركين، وسجلات التوصيل البيني ــ للائحة العامة لحماية البيانات، وقانون الاتصالات الوطني، وقواعد الاتحاد الأوروبي لأمن ومرونة الشبكات وأنظمة المعلومات.
في الحالات حيث تُـنشَر أنظمة الذكاء الاصطناعي عبر الشبكات، يجب أن تمتثل لمتطلبات الحوكمة الواردة في قانون الذكاء الاصطناعي، وهذا يعني أن القيود الخاصة بمناطق الاختصاص تحتجز البنية الأساسية في مكانها. وعادة ما تُـنشَر هذه الأنظمة كحالات منفصلة، وليست ككل متكامل عالميا. نتيجة لهذا، تزداد الصعوبة التي يواجهها المشغلون الأوروبيون في ملاحقة ذلك النوع من إعادة التوجيه الديناميكي الذي تستطيع شركات الحوسبة السحابية العملاقة تنفيذه في الاستجابة لانقطاع التيار الكهربائي في المنشأة أو حدوث تعطل مادي.
يكتسب هذا القيد قدرا أعظم من الأهمية الآن بعد أن أصبحت جغرافية الحوسبة السحابية تشكل خطرا جيوسياسيا. تُظهر الهجمات على مراكز البيانات في الخليج أن التعرض المادي يجب أن يؤخذ في الاعتبار ليس فقط في قرارات تحديد المواقع، بل أيضا في استراتيجيات المرونة، ونماذج التكرار، والأطر التنظيمية في عموم الأمر. بالنسبة للشركات الأوروبية، قد تبدأ عملية تقييم المخاطر الجديدة بتحديد نقاط الضعف المادية في البنية التكنولوجية ــ بما في ذلك البنية الأساسية للجهات الخارجية والحوسبة السحابية ــ وإجراء اختبارات الإجهاد لتحديد ما إذا كانت التكرارات الموجودة على الورق تعمل بالفعل على النحو المقصود أثناء الارتباكات المادية.
على عكس الولايات المتحدة، لا توجد في أوروبا شركات عملاقة مهيمنة تحتاج إلى الحماية، ولا جهاز أمني واحد لحمايتها، ولا هيكل قيادة موحد يمكنه توفير مظلة حكومية تحمي البنى الأساسية الرقمية المجزأة والمقيدة على المستوى الوطني. ومع ذلك، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يبدأ في التعامل مع البنية الأساسية الرقمية باعتبارها مسألة أمنية، وليست مجرد مسألة تنظيمية. ولأن النظام المعزول على المستوى الوطني الذي يفي بجميع المتطلبات التنظيمية من الممكن أن يظل يشكل نقطة فشل واحدة، فإن أوروبا بحاجة ماسة إلى سد الفجوة بين كيفية إدارة البنية الأساسية الرقمية الحرجة وكيفية نشرها.
من منظور صُـنّاع السياسات، يبدأ ذلك بالصدق بشأن مخاطر التركز التي تصاحب عمليات النشر المحصورة محليا والتي لا يوجد لها بديل. وهذا يعني أيضا التنسيق مع الصناعة لإجراء اختبارات التحمل في حالات التكرار عبر الحدود، والاستثمار في آليات تنسيق الحوادث عبر الحدود القادرة على العمل تحت الضغط، ورفع معايير القدر الأدنى من المرونة على مستوى الاتحاد الأوروبي لمراعاة التركز المادي والتعرض الجغرافي.
لعل إيران ضربت مراكز البيانات في الخليج لزيادة تكاليف التعاون التكنولوجي بين الولايات المتحدة والخليج، أو لزعزعة الأسواق المالية المرتبطة بالولايات المتحدة، أو لضرب البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي التي تدعم على نحو متزايد القوة العسكرية الأميركية. لكن سيكون من الخطأ أن تتعامل أوروبا مثل هذه التكتيكات على أنها مشكلة تخص آخرين. لقد غيرت الحرب بالفعل بشكل جوهري حسابات أي شخص يعتمد على البنية الأساسية الرقمية. ويجب أن يبدأ تعزيز البنية التكنولوجية الأوروبية الآن.
ترجمة: مايسة كامل Translated by: Maysa Kamel
![]()


























