حاوره ابراهيم مدغنة
تشهد جمهورية مالي منعطفا تاريخيا خطيرا وضع الدولة ومؤسساتها أمام اختبار وجودي غير مسبوق، فمنذ الساعات الأولى ليوم أمس، تفجر المشهد الميداني بسلسلة هجمات منسقة وعنيفة طالت قلب العاصمة باماكو، واستهدفت مواقع سيادية وعسكرية بالغة الحساسية، أبرزها قاعدة “كاتي” الجوية ومطار “موديبو كيتا” الدولي، وسط تقارير متضاربة حول مصير قيادات عسكرية وازنة في هرم السلطة.
هذا التصعيد لم يقتصر على العاصمة فحسب، بل امتد ليعيد رسم خريطة النفوذ في الشمال والوسط، حيث تزامنت هذه الهجمات مع إعلان تحالفات ميدانية مفاجئة بين حركات تطالب بالانفصال وجماعات مسلحة عابرة للحدود، مما يضع “مجلس الانتقال العسكري” أمام مأزق أمني وسياسي مزدوج، ويطرح تساؤلات حارقة حول فعالية الشراكات الأمنية الجديدة التي عولت عليها باماكو لضمان استقرار البلاد.

ولتحليل هذه التطورات المتسارعة وفهم أبعادها الجيوسياسية وتداعياتها على أمن المنطقة، طرحنا على عبد الواحد أولاد ملود أستاذ العلاقات الدولية بكلية الحقوق مراكش المتخصص في الشأن الأمني الإفريقي، عدد من الأسئلة :
كيف نفهم التحالف الميداني المفاجئ بين “الأزواديين” و”جماعة نصرة الإسلام”؟ هل هو تحالف لإسقاط باماكو؟
بطبيعة الحال حينما نتحدث عن التحالف الميداني بين حركة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، فهو ليس تحالف اليوم، وإنما هو تحالف قائم منذ حوالي 12 سنة على أقل تقدير.
بالتالي، حينما نتذكر السياق والأحداث التي جرت في أواخر 2012، لا بد من الرجوع أيضا إلى ما قبل ذلك بقليل، أي مرحلة ما قبل مقتل إبراهيم أغ بهنغا سنة 2011، حيث كانت حركة التمرد في شمال مالي تعرف تداخلا بين عدة قيادات وشخصيات ميدانية، قبل أن تتغير موازين القوى بشكل جذري بعد اختفائهK ومع انتقال القيادة الفعلية في المشهد إلى إياد أغ غالي، برزت مرحلة جديدة اتسمت بإعادة ترتيب التحالفات، خصوصا مع تأسيس حركة أنصار الدين وتداخلها مع شبكات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وفي هذا السياق، تعزز التقاطع بين إياد أغ غالي وشخصيات جهادية بارزة في الساحل، من بينها المختار بلمختار، في إطار شبكة تحالفات عابرة للحدود، خلال هذه المرحلة، كانت باماكو تعيش ضغطا غير مسبوق جعلها أقرب إلى الانهيار، لولا التدخل الفرنسي عبر عملية سيرفال، التي أطلقت سنة 2013، ثم تطورت لاحقا إلى برخان ثم تاكوبا.
بالتالي، في اعتقادي أن هذا التحالف يعد تحالفا قديما جديدا بين حركة تحرير أزواد ونصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والساحل، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على نوع من الصحوة حتى على مستوى الجماعات الإرهابية، أي صحوة القاعدة وحلفائها في منطقة الساحل.
هل أثبتت أحداث باماكو الأخيرة فشل المراهنة على “فيلق أفريقيا” الروسي كبديل للقوات الدولية؟
أعتقد أن هذا السياق يتيح لنا المجال للتساؤل حول الأحداث الأخيرة في مالي وربطها بفشل الرهان على الفيلق الإفريقي الروسي كبديل للقوات الدولية، وأعتقد أنه حينما نتحدث عن مكانة القوى الدولية، بدءا بفرنسا مرورا بالوجود الأوروبي، ثم طرد فرنسا، ووصولا إلى الفيلق الروسي، وعلى رأسه قوات فاغنر، فإن هذه القوى لا تؤمن بتحقيق التوازن في مالي بقدر ما تؤمن بالدفاع عن مصالحها.
وهنا تتعامل القوى الدولية وفق منطق النظرية الصفرية، أي إما رابح-رابح أو رابح-خاسر. وبالتالي، أعتقد أن منطق اللعبة الصفرية حاضر دائما في تعامل فرنسا أو حتى الفيلق الإفريقي الروسي.
وبالتالي، فإن الأحداث اليوم أعادت نفسها تقريبا إلى ما قبل 12 أو 13 سنة، أي منذ 2013، وأعتقد أن الإشكال هنا ليس في مالي بحد ذاته، وليس مرتبطا فقط بالقوى الدولية، بقدر ما يجب التركيز على الخصوصية المحلية، سواء على مستوى الأحداث أو في كيفية التعاطي مع البنية العرقية.
هل يهدد الانفلات الأمني الحالي في مالي مشروع المغرب الاستراتيجي لتمكين دول الساحل من الولوج للأطلسي
من أهم مبادئ العلاقات الدولية التي ترتكز عليها المملكة المغربية، هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان، وبالتالي، حتى على هذا المستوى، فإن المغرب يدعم الديمقراطية، وكان له دور فعال في الوساطة، خاصة بين حركة تحرير أزواد وحكومة باماكو في فترة معينة.
لذلك، أعتقد أن السلطة الحاكمة في مالي، أو من يحكم مالي، يعي جيدا الدور المغربي الاستراتيجي على مستوى القارة الإفريقية في ما يتعلق بهذه الأمور، كما أن المغرب يتعامل بصرامة أمنية واضحة، لأنه لا يسمح بتهديد أمنه القومي، بقدر ما يسعى دائما إلى خلق التوازن داخل البلدان الإفريقية، من خلال تحقيق معادلة السلم والأمن الإقليمي والدولي.
وبالتالي، أعتقد أن المغرب سيلعب دورا مهما في حلحلة هذه الأزمة، من خلال المساهمة في تقريب وجهات النظر بين حركة أزواد والحكومة المالية، كما حدث سابقا حين استقبل الملك محمد السادس زعماء من حركة أزواد، ودعا المغرب إلى ضبط النفس والحفاظ على أمن واستقرار مالي.
فأي تهديد يقع في منطقة معينة تكون له تداعيات وخيمة على المناطق المجاورة، وفقا لأدبيات المدرسة الأمنية، أي مدرسة كوبنهاغن، وبالتالي، هناك نوع من الاعتماد المتبادل على مستوى التهديدات والأزمات، وأعتقد أن للمغرب حساباته الخاصة في هذا المجال.
لذلك، فإن المؤشر الأمني المغربي في تصاعد، ما يفرض على المغرب التعامل بحذر شديد مع الأحداث التي وقعت في مالي، وفي هذه المرحلة، تبقى ملامح تأثير الوضع في مالي على المبادرة الأطلسية غير واضحة، ومن الأفضل انتظار تطورات الأحداث لمعرفة مآلات الأمور، كما أن من يحكم مالي يدرك جيدا ضرورة التعامل بخصوصية مع المغرب.
هل صحيح ان هذا الهجوم جاء بعد اعتراف مالي بمغربية الصحراء، وهل الجزائر لها يدا في ما يقع الان في مالي ؟
المعروف أن السلطات الحاكمة في مالي لها موقف واضح من الموقف الجزائري تجاه الأزمة المالية، بل إن السلطات صرحت علنا بأن الجزائر تسعى إلى خلق الأزمات في مالي من أجل استثمارها في هذه الأزمة، وبالتالي هل يمكن اعتبار هذا كرد فعل أو عقاب للسلطات الحاكمة في مالي بسبب اعترافها بمغربية الصحراء؟
أظن أن السلطات الحاكمة في مالي اتخذت موقفا دبلوماسيا حاسما على مستوى العلاقات مع المغرب، وفي المقابل، يعتقد أن الجزائر تسعى دائما إلى خلق الأزمات والاستثمار فيها، وبالتالي، من جهة يمكن القول إن الجزائر تحاول ضرب المواقف الواضحة، خاصة فيما يتعلق بمغربية الصحراء، ومن جهة أخرى، فإنها لم ولن تستطيع تحقيق التوازن في مالي.
ويظهر ذلك من خلال مجموعة من اللقاءات والاتفاقيات منذ بداية الألفية إلى اليوم، حيث حاولت الجزائر جمع أطراف النزاع في مالي، خاصة الحكومة المالية وحركة تحرير أزواد، غير أن اتفاق الجزائر، الذي كثيرا ما تتغنى به، أبان اليوم بوضوح عن فشلها في تحقيق الأمن والاستقرار في مالي.
في المقابل، يتعامل المغرب بطريقة مختلفة، إذ يخطو خطوات محسوبة بدقة، ويضع تحقيق الأمن في صلب أولوياته، باعتبار أن أمن مالي ومنطقة الساحل هو جزء من أمنه.
في ظل هذا الانهيار في مالي، هل يمتلك المغرب أوراق ضغط دبلوماسية جديدة للوساطة أو لحماية مصالحه في المنطقة؟
بطبيعة الحال، يسعى المغرب دائما إلى حل النزاعات بطرق سلمية، ويوظف وساطته من أجل تحقيق الاستقرار والسلم على مستوى إفريقيا.
غير أن الدور اليوم لا يقتصر على المغرب فقط، بل إن الفاعل الإقليمي ككل أصبح مطالبا بتجنب سيناريو “صوملة” مالي. وبالتالي، فإن مسؤولية كبيرة تقع على عاتق دول الجوار، خاصة بوركينا فاسو والنيجر ودول الساحل عموما، من أجل خلق توازن يمنع الانزلاق نحو مزيد من الفوضى “كصوملة” أو “أفغنة” مالي، فأي اختلال أمني في مالي سيؤثر دون شك على دول الجوار، وقد يفتح الباب أمام أزمات وتهديدات أمنية جديدة تثقل كاهل المنظومة الإقليمية بأكملها.
لذلك، فإن الدور الإقليمي والدولي الإيجابي بات ضروريا اليوم، والمغرب سيواصل العمل مع مختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين من أجل حل هذه الأزمة وإعادة الاستقرار إلى باماكو.
وفي هذا السياق، يظل الحوار هو المدخل الأساسي والوحيد للخروج من هذه الأزمات، باعتباره السبيل الأنجع لتفادي التصعيد وتحقيق تسوية مستدامة.
![]()

























