الخليج… من منطق الحفاظ على التوازن إلى هندسة الردع

الخليج… من منطق الحفاظ على التوازن إلى هندسة الردع

- ‎فيرأي, واجهة
الخليج نجيبة جلال
Stylish Audio Player

راديو إكسبرس

البث المباشر

بقلم نجيبة جلال

لم يكن الخليج، في تاريخه السياسي الحديث، مجرد جغرافيا نفطية تتحرك فوق خرائط الطاقة، بل كان فضاء لصناعة توازنات دقيقة، تُدار فيه الصراعات بقدر ما تُحتوى، وتؤجل فيه المواجهات أكثر مما تحسم، لقد نشأ هذا المنطق—منطق الحفاظ على التوازن—من إدراك عميق بأن المنطقة، بحكم موقعها وثرواتها، لا تحتمل مغامرات مفتوحة، وأن الاستقرار فيها يصنع عبر إدارة التعقيد لا عبر كسره.

غير أن هذا المنطق، الذي صمد لعقود، يبدو اليوم أمام اختبار غير مسبوق. لقد تحولت التهديدات إلى وقائع ميدانية، و انتقلت الصواريخ من نطاق الرسائل إلى نطاق الاستهداف، و لم يعد الحفاظ على التوازن خيارا كافيا. بل أصبح مدخلا لاختلال أكبر، إذا لم يتم فرض معادلات جديدة.

في هذا السياق، يمكن فهم التحول الجاري في الخليج، ليس باعتباره اندفاعا نحو الحرب، بل انتقالا محسوبا نحو إعادة تعريف الردع، فالسماح باستخدام قواعد عسكرية، أو التحرك لتجفيف منابع التمويل المرتبطة بخصم إقليمي، ليسا مجرد خطوات تكتيكية، بل هما تعبير عن إدراك متزايد بأن التوازن لا يحافظ عليه إلا إذا كان مسنودا بقوة قادرة على حمايته.

هذا الانتقال يحدث اليوم في بيئة إقليمية تتداخل فيها الحسابات المحلية مع رهانات القوى الكبرى، و الدول لا تملك حرية الاختيار الكامل.

الخليج أمام ما يمكن أن نسميه”المأزق الاستراتيجي”: الدول التي طالما تحركت بمنطق الحفاظ على التوازنات تجد نفسها اليوم مطالبة بالتحرك، و هي تدرك تماما أن مسار الأحداث قد يتجاوز قدرتها على التحكم فيه.
فهل يتحرك الخليج نحو هندسة ردع جديدة؟

من جهة، هناك ضرورة إعادة التوازن بعد أن اختل تحت ضغط الهجمات والتهديدات. ومن جهة أخرى، هناك وعي بأن الردع، إذا لم يضبط بإيقاع سياسي دقيق، قد يتحول إلى تصعيد مفتوح، تتسع دائرته بما يتجاوز حدود الحسابات الأولية.

الأكيد أن إحدى حقائق السياسة في هذه المنطقة: أن القوة، مهما بلغت، لا تقاس فقط بقدرتها على الفعل، بل بقدرتها على التحكم في نتائج هذا الفعل. وهي معادلة صعبة، خاصة في ظل تحالفات غير متكافئة، تتحرك فيها القوى الكبرى وفق أولوياتها، بينما تحاول القوى الإقليمية التكيف مع تلك الحركة دون أن تفقد توازنها.

التحول الذي يشهده الخليج اليوم يفرض على الدول أن تتحرك ليس بإنهاء منطق التوازن، بل بإعادة صياغته. مشروعً توازن يُبنى من الداخل، عبر أدوات متعددة، عسكرية واقتصادية وسياسية. وبدل أن يكون الهدف تجنب الصدام بأي ثمن، يصبح الهدف هو ضبطه، بحيث لا يتحول إلى فوضى شاملة.

دول الخليج تقف أمام لحظة انتقالية، تتجاوز حدود الأزمة الراهنة. لحظة يُعاد فيها تعريف مفاهيم الأمن، والتحالف، والسيادة. لحظة قد تفضي، إذا أُديرت بحكمة، إلى بناء توازن أكثر صلابة، لكنه سيكون، بالضرورة، أكثر كلفة.

هكذا، ينتقل الخليج من منطق الحفاظ على التوازن إلى منطق هندسته. ومن سياسة الاحتواء إلى سياسة الردع. سياسة حتمية في سياقها، و محفوفة بالكثير من التساؤلات، أهمها: هل يستطيع الخليج أن يفرض توازنا جديدا، دون أن يستدرج إلى حرب لا يريدها؟ أم أن المنطقة، وقد دخلت زمن التحولات الكبرى، لم تعد تملك ترف اختيار المسارات بقدر ما تجد نفسها مضطرة إلى السير فيها؟

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *