راديو إكسبرس
البث المباشر
نجيبة جلال
لا أكتب هذا الكلام دفاعًا عن حزب، ولا تزكية لشخص، ولا ردًا على خصوم. أكتبه لأنني كنت هناك، لأنني حضرت المؤتمر، ولأن السياسة كما تعلمناها من التجربة لا من الشعارات تُفهم أحيانًا في ما يُقال هامسًا أكثر مما يُقال في الخطب الرنانة…
حزب التجمع الوطني للأحرار ينوي، بلا مواربة، احتلال المرتبة الأولى في الانتخابات المقبلة. قد تحب عزيز أخنوش أو لا تحبه، قد تتفق مع الحزب أو تختلف معه، لكن ذلك لا يغيّر شيئًا في حقيقة أساسية هي أن الأحزاب لا تُختزل في المزاج العام، بل تُقاس ببنيتها وبما يمكن تسميته حمضها التنظيمي.
عزيز أخنوش لم يهبط على الحزب من فراغ. جاء إليه سنة 2007، في لحظة كان فيها التجمع يبحث عن نفس جديد وعن عقل تنظيمي لا يعيش على الذاكرة بل على الفعل. ومع توليه قيادة الحزب سنة 2016، لم نشهد انقلابًا داخليًا، بل مسارًا تراكميًا عنوانه الوضوح والانضباط وربط السياسة بالإنجاز لا بالخطابة.
حضرت المؤتمر الأخير، وراقبت لا بعين المتحمس ولا بعين الخصم، بل بعين من تعوّد أن يقرأ التفاصيل الصغيرة. ما شدني لم يكن التصفيق ولا الأرقام ولا حتى الخطب، بل ذلك التضامن الصامت بين المناضلين وقيادتهم. كان هناك تفاهم واضح وغير متكلّف حول خيار دعم مرشح وحيد، ليس لأنه فُرض، بل لأنه كان محل توافق. و حتى الدموع، كانت تعبيرا عن علاقات إنسانية بلغت نضجها و تجاوزت منطق التدافع !
راقبت القيادات القديمة، وجوهًا خبرت السياسة قبل أن تصبح موضة، من بينها محمد أوجار وآخرون. لم ألمح توترًا ولا صراع أجنحة ولا تلك النظرات التي تُخفي ما لا يُقال. كنت أراقب كيف يتحدثون بينهم، كيف يختلفون إن اختلفوا، وكيف يديرون لحظة انتقال قيادي دون أن تتحول إلى معركة كسر عظام. كل ذلك كان واضحًا للعيان.
وهنا تفرض المقارنة نفسها. في أحزاب أخرى ظللنا نمدد لرئيس واحد ونجدد له بلا نقاش ونصفق بلا سؤال، حتى انتهينا إلى ما يشبه قذافيين جدد داخل أحزاب يُفترض أنها ديمقراطية. ثم نخرج اليوم لنشتكي من غياب الديمقراطية الداخلية ومن القرار العمودي ومن الزعيم الذي لا يُناقَش.
في حزب الأحرار، ما لمسته صرح به لي عدد من المناضلين في أحاديث جانبية بعيدة عن الكاميرات هو عكس ذلك. قالوا لي بوضوح إن أكثر ما يفخرون به في عزيز أخنوش ومن حوله أنه لم يُدر الحزب يومًا بمنطق القرار العمودي. منذ انتسابه، كانت إمكانية العمل والمبادرة والاختلاف قائمة داخل التنظيم. لم يكن الحزب ثكنة ولا جهاز أوامر، بل فضاء اشتغال سياسي منضبط لكنه غير مُصادَر.
لهذا فإن تسليم المشعل لمحمد شوكي لا أراه نهاية مرحلة، بل استمرارًا لها. أخنوش لم يرحل عن حزبه ولم يغادر مشروعه، بل انتقل إلى موقع آخر داخل نفس البنية. السياسة حين تُدار بعقل بارد تعرف أن الاستمرارية لا تعني الجمود، وأن التداول لا يعني القطيعة.
أعرف أن هناك من يفضل قراءة المشهد من زاوية الدموع أو الأرقام أو الكراسي الفارغة. لكنني أقول ببساطة إن ما رأيته لم يكن حزبًا ينهار، بل حزبًا يعيد ترتيب نفسه بهدوء. وفي بلد أُنهكت فيه السياسة بالصراخ، قد يكون الهدوء أحيانًا أقوى أشكال الثقة.
هذه شهادتي وهذا رأيي، وأتحمّل مسؤوليته كاملة. لأن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم ليس نقد حزب أو زعيم، بل شيطنة العمل السياسي نفسه إلى حد يجعل من كل تنظيم مشروع سخرية ومن كل تجربة انتقال مادة للتقزيم. وحينها لا يسقط حزب واحد، بل يسقط المعنى.
![]()






