ما نُشر خلال الأيام الأخيرة عبر موقع “برلمان.كوم”، من وثائق ومعطيات قدمتها الزميلة بدرية عطا الله، لا يمكن التعامل معه كخبر عارض ضمن تدفق يومي للمعلومات، بل يندرج ضمن لحظات فاصلة تختبر فيها الصحافة حدود دورها، وتُختبر فيها أيضاً قدرة الفضاء العام على استيعاب النقاش المسؤول.
في الأصل، لا خلاف حول أن من حق الصحافة أن تُسائل. بل إن هذا الحق ليس امتيازاً، وإنما وظيفة جوهرية. فالإعلام، حين يشتغل وفق قواعده المهنية، لا يُدين ولا يُبرّئ، بل يفتح ملفات، يضع معطيات، ويطرح الأسئلة التي تفرضها المصلحة العامة. ومن هذا المنطلق، فإن ما قام به الزملاء يدخل في صميم هذا الدور، بل يمكن اعتباره مساهمة في نقل نقاش كان يدور في الهامش إلى فضاء عمومي مؤطر، يخضع للتدقيق بدل أن يبقى عرضة للتأويلات.
أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في مضمون ما نُشر، بل في سياقها. نحن أمام بيئة إعلامية تتعرض لضغط متزايد من منصات غير مهنية، تشتغل بمنطق الإثارة وتخلط بين الخبر والرأي، وبين المعطى والإشاعة. وفي مثل هذا المناخ، يصبح حضور الصحافة الجادة ضرورة لحماية النقاش العمومي من الانزلاق نحو الفوضى. إدخال ملفات حساسة إلى دائرة التناول المهني هو، في حد ذاته، شكل من أشكال التحصين، لأنه يعيد ترتيب العلاقة بين المعلومة والرأي العام.
لكن، في المقابل، تطرح هذه اللحظة سؤالاً موازياً: كيف يتم تدبير أثر هذا النشر؟ هنا يبرز دور المسؤولين والمؤسسات. الصمت لم يعد خياراً فعالاً في زمن السرعة الرقمية، لأن الفراغ الذي يتركه غياب التوضيح يُملأ تلقائياً بالتأويل. لذلك، يصبح التفاعل ضرورياً، ليس بمنطق رد الفعل، بل بمنطق المسؤولية: توضيح المعطيات، تقديم رواية رسمية دقيقة، أو إصدار بيان يضع الوقائع في سياقها.
أما اللجوء إلى القضاء، فهو حق مشروع وسلوك حضاري، يندرج ضمن آليات حماية السمعة وضمان الإنصاف. غير أن الإشكال لا يتعلق بهذا الحق في حد ذاته، بل بكيفية استحضاره في سياق النقاش العمومي. فالتلويح به في مواجهة عمل صحفي يقوم على نشر وثائق يطرح تساؤلات مشروعة حول التوازن بين حماية الأفراد وضمان حق المجتمع في المعرفة.
ما نشرته الزميلة بدرية عطا الله، في عمقه، نقطة بداية في اتجاه ترسيخ ثقافة المساءلة الإعلامية، بعيداً عن منطق الشخصنة أو تحويل الخلافات إلى صراعات فردية. المساءلة، في جوهرها، ليست استهدافاً، بل آلية لتقوية الثقة في المؤسسات، شرط أن تُمارس داخل إطار مهني واضح، وأن تُقابل بردود مسؤولة تستند إلى المعطيات.
يبقى عنصر أساسي لا يمكن تجاوزه في كل هذا النقاش: قرينة البراءة. فهي ليست مجرد مبدأ قانوني، بل قاعدة ناظمة للعلاقة بين الإعلام والرأي العام. نشر المعطيات لا يعني إصدار الأحكام، كما أن التفاعل مع الخبر لا يجب أن يتحول إلى إدانة مسبقة. بين حق الصحافة في النشر وحق الأفراد في الإنصاف، يوجد توازن دقيق، لا يستقيم النقاش العمومي بدونه.
الأهم من كل هذا و ذاك، هو أن ما نعيشه اليوم هو جزء من تحول أعمق في علاقة الإعلام بالمجتمع. صحافة أكثر جرأة في طرح الأسئلة، ورأي عام أكثر انخراطاً في التفاعل، ومؤسسات مطالبة بتطوير آليات التواصل. وفي قلب هذا التحول، تبقى القاعدة بسيطة: مساءلة بلا تهور، وتوضيح بلا تردد، واحترام دائم لحدود القانون.
![]()


























