نجيبة جلال/
في السياسة، كما في التاريخ، يظهر بين الحين والآخر من يرفع صوته باسم الشعب، ومن يتحدث عن عواطفه، ومن يزعم أنه الناطق الرسمي باسم مشاعره. غير أن التجربة السياسية عبر القرون تقول إن المسافة بين العاطفة والدولة مسافة واسعة. فالعاطفة لحظة، أما الدولة فبناء طويل يحتاج إلى عقل بارد يعرف كيف يوازن بين السلطة والاستقرار.
هذه الحقيقة لم تكن جديدة في الفكر السياسي. فقد توقف عندها المفكر الإيطالي Niccolò Machiavelli منذ أكثر من خمسة قرون عندما كتب كتابه الشهير The Prince، وهو كتاب حاول أن ينظر إلى السلطة كما هي في الواقع، لا كما يريد الخطاب العاطفي أن يصورها.
هناك طرح مكيافيللي سؤالاً يبدو بسيطاً لكنه في الحقيقة يلامس جوهر الحكم: هل الأفضل للحاكم أن يكون محبوباً أم مهاباً؟ ثم أجاب بواقعية لا تخلو من برودة التحليل السياسي، فقال إن الأفضل أن يجتمع الأمران معاً، لكن إذا كان لا بد من الاختيار فإن الهيبة أكثر استقراراً من الحب. وكتب في الفصل السابع عشر:
«قد يُقال إن الأفضل أن يجمع الحاكم بين أن يكون محبوباً ومهاباً معاً، لكن بما أن الجمع بين الأمرين صعب، فإن من الأضمن للحاكم أن يكون مهاباً أكثر من أن يكون محبوباً إذا اضطر إلى الاختيار بينهما.»
لم يكن مكيافيللي هنا يدعو إلى القسوة، بل كان يصف طبيعة السلطة كما عرفها التاريخ. فالدولة ليست مسابقة في كسب الإعجاب، ولا مسرحاً للتصفيق. الدولة، في معناها العميق، هي منظومة لحماية المجتمع وضمان استقراره.
ولهذا فإن الخطاب الذي يحاول اليوم أن يجعل من العاطفة السياسية معياراً للحكم يتجاهل حقيقة الدولة نفسها. فالمشاعر العامة بطبيعتها متقلبة؛ قد ترتفع في لحظة حماس، وقد تنقلب في لحظة غضب. أما الدولة فليست رهينة هذا المزاج المتغير، بل تقوم على مؤسسات راسخة وعلى سلطة قادرة على فرض القانون وحماية التوازن داخل المجتمع.
وهنا يظهر ما يمكن أن نسميه تجارة العاطفة السياسية. فبعض الأصوات تحاول أن تجعل من العاطفة بديلاً عن السياسة، ومن الضجيج بديلاً عن التفكير في الدولة. لكنها في النهاية تقدم خطاباً يثير الانفعال أكثر مما يقدم تصوراً لبناء الاستقرار.
أما المواطن، في نهاية المطاف، فله حساب مختلف تماماً. المواطن لا يعيش داخل الخطابات ولا داخل الجدل السياسي. ما يهمه في حياته اليومية أمران واضحان: الاستقرار والتنمية. الاستقرار الذي يمنح المجتمع شعور الأمان، والتنمية التي تفتح أمامه آفاق العمل والفرص وتبني مستقبله.
وهذان الأمران لا تصنعهما العاطفة ولا المزايدات، بل تصنعهما دولة تعرف كيف توازن بين السلطة والمسؤولية، بين الشرعية والهيبة. وفي هذا السياق لا يمكن إنكار أن الدولة في المغرب نجحت إلى حد بعيد في ترسيخ هذا التوازن بين الحفاظ على الاستقرار السياسي والمؤسساتي وبين الدفع بعجلة التنمية والإصلاح، وهو توازن لم يكن سهلاً في منطقة تعرف كثيراً من الاضطرابات.
وهكذا تبقى الحقيقة التي تغيب عن تجار العواطف واضحة: الشعوب قد تنجذب أحياناً إلى الخطاب العاطفي، لكنها في النهاية تختار الدولة التي تحمي استقرارها وتصنع تنميتها. ففي السياسة، كما في التاريخ، ما يبقى ليس الضجيج، بل الدولة.
![]()
























