راديو إكسبرس
البث المباشر
بِـجاه بني هاشمي : باحثة في القانون الدستوري في كلية الحقوق بجامعة شيكاغو ومُـحاضِرة قانون حقوق الإنسان، تُـرَكِّز أعمالها على هياكل السلطة والتغيير السياسي في الشرق الأوسط.
في غضون ساعات من الانفجار الهائل الذي وقع بالقرب من مقر المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في طهران صباح يوم الثامن والعشرين من فبراير، أعلنت مصادر إسرائيلية وأميركية ــ وأكدت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية في وقت لاحق ــ أن خامنئي قد قُتل.
في المدن الإيرانية وبين الجاليات الإيرانية في الشتات، اندلعت احتفالات عفوية، في تنفيس عن الغضب العام المتراكم على مدار عقود من القمع في ظل نظام خامنئي، بما في ذلك الحملة القمعية العنيفة في يناير للاحتجاجات التي عمت البلاد، والتي قتلت أو اعتقلت فيها القوات الحكومية عشرات الآلاف من المتظاهرين، حسبما أفادت التقارير. لكن صدمة وفاة خامنئي لا تعني بالضرورة انهيار الجهاز الأمني والسياسي الذي أمضى ما يقرب من أربعة عقود من الزمن في بنائه. الواقع أن هذه البنية المؤسسية للسلطة قد تكون هي بالفعل إرثه الأكثر ديمومة.
عندما توفي مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني في عام 1989، لم يتخيل سوى قلة من المطلعين على الشؤون السياسية خامنئي كخليفة مهيمن أو إصلاحي. بموجب المادة 109 من الدستور الإيراني، كان المرشد الأعلى يجب أن يحمل في الأصل رتبة “مرجع التقليد”، أو آية الله العظمى، وهو أعلى مستوى من السلطة الدينية الشيعية ــ ومؤهل لم يكن خامنئي يمتلكه.
لكن في غضون أشهر من وفاة الخميني، جرى تعديل المادة 109. فاستُعيض عن شرط الحصول على رتبة آية الله العظمى، وهي أعلى رتبة دينية، بمؤهلات سياسية ودينية أكثر عمومية. في الوقت ذاته، جرى تعزيز نموذج القائد الأعلى الأوحد المتمتع بصلاحيات واسعة. تصور كثيرون، بمن فيهم شخصيات ثورية مؤثرة، أن خامنئي سيضطلع بدور رمزي بدرجة أكبر، ويفوض السلطة الحاكمة إلى مسؤولين منتخبين مثل الرئيس. لكنهم كانوا مخطئين تماما.
على مدار العقود التالية، حوَّل خامنئي تدريجيا منصب المرشد الأعلى من سلطة إشرافية إلى البنية القيادية المركزية التي تحكم الجمهورية الإسلامية. كان الإبداع السياسي الأكثر أهمية الذي أتى به هو إعادة تشكيل الحرس الثوري الإسلامي (IRGC). في حين شدد الخميني على الحد من تدخل الجيش في الشؤون السياسية، اعتمد خامنئي على المادة 110 من الدستور ــ التي تمنح المرشد الأعلى سلطة القيادة على القوات المسلحة بالكامل ــ لتكوين جهاز أمني شديد الولاء.
لم يعد الحرس الثوري الإيراني تحت قيادة خامنئي مجرد مؤسسة عسكرية، بل تحول إلى تكتل سياسي واقتصادي متغلغل في مختلف قطاعات الاقتصاد الرئيسية تقريبا في إيران، من البنية الأساسية والبناء إلى الاتصالات، ومشاريع الطاقة، وتجارة النفط. كان النظام الذي أنشأه خامنئي نظاما حيث أصبح الولاء العسكري، والمصالح المالية، وبقاء النظام عناصر يعزز بعضها بعضا. كانت سلطته السياسية مؤمَّنة بالاعتماد المؤسسي بقدر ما كانت الأيديولوجية تؤمنها.
لتعزيز سلطته بدرجة أكبر، مارس خامنئي سيطرته على مجلس صيانة الدستور، الذي أنشئ بموجب المادة 91 من الدستور بهدف الحفاظ على التوازن المؤسسي. يتألف مجلس صيانة الدستور من ستة فقهاء إسلاميين يعينهم المرشد الأعلى مباشرة وستة خبراء قانونيين يرشحهم رئيس السلطة القضائية ويوافق عليهم البرلمان. ولكن بموجب المادة 157، يعين المرشد الأعلى رئيس السلطة القضائية، وبالتالي يكون له القول الفصل على كل الأعضاء الاثني عشر. بمرور الوقت، سمحت سلطة مجلس صيانة الدستور في فحص المرشحين البرلمانيين له بتضييق المجال السياسي ليقتصر على الأفراد الذين يعتبرهم النظام مقبولين.
ثم تطورت ديناميكية مماثلة داخل مجلس الخبراء. فبموجب المادتين 107 و111 من الدستور، يتولى المجلس مسؤولية الإشراف على المرشد الأعلى وتعيين خليفته. ومن المفترض أن يكون هذا الجهاز أحد الضوابط الدستورية القليلة التي تقيد سلطته. لكن في الممارسة العملية، يجب أن يوافق مجلس صيانة الدستور أولا على المرشحين، الأمر الذي يخلق حلقة تغذية مرتدة حيث يمتد نفوذ المرشد الأعلى إلى المؤسسة المكلفة بالإشراف عليه.
يوفر الدستور الإيراني آلية قانونية لخلافة القيادة. تنص المادة 111 على انتقال السلطة التنفيذية عند وفاة المرشد الأعلى أو عجزه إلى مجلس مؤقت مؤلف من الرئيس، ورئيس السلطة القضائية، وفقيه من مجلس صيانة الدستور يختاره مجلس تشخيص مصلحة النظام. لكن هذا يفترض الاستقلالية المؤسسية، التي قوضها خامنئي بفعالية شديدة.
ولكن مع ذلك، سوف يظل النظام الذي ساعد خامنئي في إنشائه باقيا بعد وفاته. فالشبكات التي تحكم القضاء، والمؤسسات الأمنية، والمؤسسات الدينية لا تزال مترابطة بشكل عميق. أثناء حكم خامنئي، اعتمدت السلطة بصورة متزايدة على مزيج من الشرعية الدينية، والولاء العسكري، والسيطرة الاقتصادية، وجميعها عناصر راسخة في آليات دستورية تعمل على تركيز السلطة مع الحفاظ في الوقت ذاته على المظهر الخارجي للشرعية. لن يرث خليفة خامنئي منصبا سياسيا فحسب، بل أيضا بنية مؤسسية مصممة لإعادة إنتاج السلطة المركزية.
وعلى هذا فإن إيران تواجه لحظة من انعدام اليقين الاستبدادي العميق، حيث لا يبدو من المحتمل انهيار النظام أو انتقال متوقع للسلطة. ستبقى المؤسسات الحاكمة سليمة حتى مع ضعف الشرعية السياسية والتنازع على الخلافة، وربما بشكل عنيف. في غياب إصلاحات هيكلية، قد ينتقل ذات القدر من تركز السلطة إلى مرشد أعلى جديد، بما يديم الركود السياسي في إيران.
لن يعتمد التغيير الحقيقي والدائم في إيران على من سيخلف خامنئي بقدر ما يعتمد على ما إذا كان من الممكن تفكيك إرثه المؤسسي. المشكلة هي أن المستفيدين من النظام القديم من غير المرجح أن يقبلوا بهدوء بإطار حكم جديد تماما. ولكن بدون إصلاح شامل للسلطة التنفيذية، وهيمنة الحرس الثوري الإيراني الاقتصادية، والآليات التي تتحكم في المشاركة السياسية، سيكتفي النظام الاستبدادي في إيران بإعادة التوازن.
ترجمة: مايسة كامل Translated by: Maysa Kamel
![]()








