راديو إكسبرس
البث المباشر
سامي محروم : مؤسِّس Spark X، شغل سابقا مناصب في المعهد الأوروبي لإدارة الأعمال (INSEAD)، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ومؤسسة نيستا (Nesta).
يعبر تعهد زهران مامداني، عمدة مدينة نيويورك المنتخب، برفع الحد الأدنى للأجر عن الساعة إلى 30 دولارا، عن معضلة تلاحق أغلب الاقتصادات المتقدمة. فحتى مع ارتفاع الحد الأدنى للأجور، يشعر العمال بانخفاض مستوى الأمان. ولكن بالاستجابة بأدوات فظة مثل الحد الأدنى للأجور، يتغافل صُـنّاع السياسات عن المشكلة الأعمق: الانفصال القائم بين وقت العمل البشري والقيمة الاقتصادية.
على مدار قرنين من الزمن، كانت أسواق العمل ترتكز على هذه العلاقة. كانت الأجور، والعقود، وسُبُل الحماية الاجتماعية تفترض جميعها أن الوقت مؤشر يمكن التعويل عليه للإنتاج. لكن الذكاء الاصطناعي قطع هذا الرابط. فالآن، يتنافس خبراء تشخيص الأمراض الذين أمضوا سنوات في إتقان التعرف على الأنماط مع أنظمة تعالج الحالات في غضون ثوان. والمحامون الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي الوكيلة قادرون على إنجاز مهام في دقائق، وهي ذات المهام التي كانت تستغرق ساعات في السابق. لم يعد السؤال ما إذا كان الحد الأدنى للأجور ينطوي على خطر تجاوز الهدف، بل ما إذا كان التعويض على أساس الوقت لا يزال معبرا عن الواقع على الإطلاق.
ما العمل إذن؟ بادئ ذي بدء، يجب أن تعترف الأطر المالية بوقت الآلة كَمُدخَل إنتاجي متميز وتسعيره وفقا لذلك. هذا لا يعني اقتراح فرض “ضريبة على الروبوتات”، بل شيء أقرب إلى ضريبة مدخلات يمكن قياسها، باستخدام بيانات يجري تتبعها لحظيا بالفعل.
لم تصادف محاولات فرض ضرائب مباشرة على الشركات بناء على “درجة الأتمتة” (التشغيل الآلي) التي توظفها النجاح قَط، لأن مثل هذه العمليات مبهمة من الناحية التنظيمية. إذ تكاد عملية اتخاذ القرار الخوارزمية المدمجة في البرامج تكون غير مرئية، وقد ثبت أن محاولات تعريف “الروبوت” منافية للعقل من الناحية القانونية (هل يعتبر Excel روبوتا؟). علاوة على ذلك، ظلت الأتمتة لفترة طويلة تُـعَـد ضرورة أساسية للحفاظ على القدرة التنافسية العالمية، ولا تفرض “مشكلة” غالبا إلا على أولئك الذين يقدمون العمالة اليدوية.
تميل السياسات التي تعاقب الإنتاجية غالبا إلى كونها بلا أمل. جاءت أبرز الجهود في عام 2017، عندما نظر البرلمان الأوروبي في اقتراح ــ مضمن في تقرير نائبة البرلمان الأوروبي مادي ديلفو حول الروبوتات والذكاء الاصطناعي ــ بفرض “ضريبة الروبوت” على الشركات التي استعاضت عن العمال بأنظمة آلية. صيغت الفكرة كوسيلة لتمويل الحماية الاجتماعية وإعادة التدريب، لكنها رُفِضَت صراحة في تصويت المجلس النهائي المكتمل وسط مخاوف من أن الإجراء قد يقوض الإبداع ويضر بقدرة أوروبا التنافسية. منذ ذلك الحين، ظلت مقترحات ضريبة الروبوت نظرية إلى حد كبير في كل دول الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي عزز الواقع السياسي المتمثل في أن السياسات التي يُنظر إليها على أنها تعاقب الإنتاجية تواجه صعوبة شديدة.
قد يتمثل الحل هنا في فرض ضريبة على “ساعات الذكاء الاصطناعي”: الوقت الحسابي الذي تستهلكه أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تؤدي مهام إنتاجية اقتصادية. ولأن الوقت الحسابي يُـقاس بدقة بالفعل لأغراض إعداد الفواتير في صناعة السحابة، التي تدعم معظم خدمات الذكاء الاصطناعي المقدمة للمؤسسات، فإن ساعات الذكاء الاصطناعي تُـعَـد واحدة من قواعد الضرائب النادرة التي تحتوي على مسارات تدقيق مدمجة ومسجلة تلقائيا.
لنتأمل هنا على سبيل المثال شركة محاماة متوسطة الحجم في الولايات المتحدة تستخدم الذكاء الاصطناعي لأتمتة مراجعة العقود، ليحل محل 25 مساعدا قانونيا بدوام كامل يتقاضون في المتوسط 65 ألف دولار سنويا. يبلغ معدل الأجر بالساعة لهذه العمالة الـمُزاحة 32.50 دولارا (محسوبا على أساس 65 ألف دولار مقسوما على 2000 ساعة عمل قياسية في السنة). إذا كانت الشركة تستهلك 50 ألف ساعة من الذكاء الاصطناعي سنويا في هذه الأتمتة، فإن القيمة الخاضعة للضريبة للاستبدال هي 1625000 دولار (خمسين ألف ساعة × 32.50 دولار). وفرض ضريبة بنسبة 15% على قيمة الإزاحة هذه يولد 243750 دولارا في هيئة عائدات ضريبية سنوية. يفرض هذا الإطار ضرائب على قيمة العمل البشري الاقتصادية الذي تحل أنظمة الذكاء الاصطناعي محله، ويُقاس تلقائيا بناء على مستويات الأجور عبر مِهَن مختلفة، ويربط العبء الضريبي بحجم استبدال العمالة.
قد يبدو هذا مبلغا متواضعا، لكنه يُـصبِح كبيرا عند جمعه عبر كل الخدمات القانونية، والتحليل المالي، والتشخيص الطبي. بحلول عام 2028، سوف تصل نفقات البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي في المؤسسات إلى 200 مليار دولار على مستوى العالم.
صحيح أن الحوسبة الطرفية، التي تعالج البيانات بالقرب من مصدرها، من شأنها أن تعقد الأمور، لأن سجلات الاستخدام محلية. ولكن في هذه الحالات، ستنتقل القاعدة الضريبية من تدفقات البيانات إلى وكلاء السعة، مثل مواصفات الرقائق الإلكترونية واستهلاك الطاقة. ولأن الهيئات التنظيمية تستخدم بالفعل هذه المقاييس لإعداد تقارير البصمة الكربونية ومراجعات الطاقة، فسوف تحتاج الشركات ببساطة إلى تسجيل الأجهزة التي تدعم الذكاء الاصطناعي فوق الحدود المرسومة وتقديم تقديرات الاستخدام ربع السنوية، مع مراجعتها مقابل السعة واستهلاك الطاقة عن بُعد.
بطبيعة الحال، لا يخلو الأمر من خطر تلاعب الشركات بالنظام للتأهل للحصول على معدلات ضريبية أقل. من الواضح أن التعريفات المحددة جيدا ستكون مهمة للغاية. الكلمتان الرئيسيتان اللتان تتطلبان أكبر قدر من الوضوح هما “التعزيز” و”الاستبدال”. يشير التعزيز إلى الحالات التي يستخدم فيها البشر الذكاء الاصطناعي ولكنهم يظلون يشكلون سلطة اتخاذ القرار الرئيسية. يحدث الاستبدال عندما يتولى الذكاء الاصطناعي تنفيذ سير العمل بالكامل، مع تدخل البشر فقط في ظروف استثنائية. فاختصاصي الأشعة الذي يراجع الحالات الشاذة التي يحددها الذكاء الاصطناعي لكنه يتخذ قرار التشخيص النهائي هو بهذا جرى تعزيزه. أما نظام الذكاء الاصطناعي الذي يوافق تلقائيا على 95% من طلبات القروض فإنه بذلك يحل محل البشر.
مع تحديد هذه المصطلحات بوضوح، يصبح من الممكن فرض ضريبة على ساعات استخدام الذكاء الاصطناعي على مستويات متدرجة، ولنقل بنسبة 5% للتعزيز و15% للاستبدال. وسوف تحدد عمليات تدقيق سير العمل التصنيفات. فإذا ادّعت شركة ما أنها تستخدم التعزيز ولكن البشر يتعاملون فعليا مع أقل من 40% من الحالات، فسوف يُـعاد تصنيف النظام. في حين أن المعدلات الدقيقة من الممكن مناقشتها، فإن المبدأ الأساسي يعكس التمييز الضريبي الحالي بين النفقات التشغيلية ونفقات رأس المال. وحتى مع فرض ضريبة بنسبة 15%، ستظل ساعات الذكاء الاصطناعي أرخص كثيرا من العمالة البشرية.
الغرض من هذه الضريبة هو دفع الشركات نحو أنظمة هجينة حيث يعمل الحكم البشري على تحسين النتائج، بدلا من التوجه نحو تكوينات مستقلة تماما. ومن شأن ذلك أن يجعل إزاحة العمالة أكثر تكلفة قليلا من التعزيز دون قمع الإبداع. ينبغي للصناعة ذاتها أن ترحب بمثل هذه السياسة. فالخطر الحقيقي الذي يهدد تقدم الذكاء الاصطناعي ليس الضرائب بل ردة الفعل السياسية العنيفة. إن الضريبة القابلة للتنبؤ والقائمة على القواعد من الممكن أن تضمن تفويضا اجتماعيا للذكاء الاصطناعي من خلال ضمان تقاسم المكاسب.
ولكن ماذا عن البُـعد العالمي؟ مع تحول ساعات الذكاء الاصطناعي إلى عنصر أساسي في الإنتاج، قد تؤدي السلع والخدمات الـمُنشأة باستخدام وقت آلي غير مسعر إلى تقويض تلك التي لا تُـنتَج بالاستعانة به. ما يدعو إلى التفاؤل أننا نملك بالفعل طريقة للتعامل مع مثل هذه المراجحة. من الممكن أن تُـلزِم آلية تعديل الحدود الرقمية (DBAM) الشركات بالكشف عن محتوى ساعات الذكاء الاصطناعي الداخلة في إنشاء السلع المتداولة والخدمات الرقمية عبر الحدود، على غرار آليات تعديل الحدود الكربونية المعمول بها بالفعل. لن يكون التنفيذ صعبا، لأن قواعد التسعير الداخلي تُـلزِم الشركات المتعددة الجنسيات بالفعل بتقديم وثائق قابلة للمقارنة.
سوف يكون لضريبة ساعات الذكاء الاصطناعي جاذبية عريضة. فبموجبها ستحصل الشركات على قواعد يمكن التنبؤ بها بدلا من تسييس الأجور حسب الغرض؛ وسوف يحصل العمال على آلية للاستفادة من الفائض التكنولوجي (دون عرقلة اعتماده)؛ وينال المحافظون الماليون الاستقرار مع تآكل الضرائب المفروضة على الرواتب؛ ويحصل التقدميون على أداة لتضييق فجوات التفاوت دون اللجوء إلى ضرائب الثروة المشكوك في دستوريتها.
يظل التنسيق يشكل التحدي الرئيسي. قد يواجه المبتدئون في اعتماد هذه الآلية ضغوطا تؤثر على قدرتهم التنافسية في الأمد القريب إلى أن تنضج أنظمة آلية تعديل الحدود الرقمية. لكن الاتفاقات المتعددة الأطراف ــ كما هي الحال مع تسعير الكربون ــ من الممكن أن تخلق كتلة حرجة.
يُـغـفِل الجدال الدائر حول ما إذا كان الحد الأدنى للأجور يجب أن يكون 16 دولارا أو 30 دولارا النقطة الأساسية. تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي على نحو مستمر بتكلفة ضئيلة. وفي غياب إطار مالي جديد، سنستمر في الانجراف نحو اقتصاد قاعدته الضريبية متضائلة. ومن الممكن أن تعمل ضريبة ساعات الذكاء الاصطناعي على تحويل إنتاجية الآلات إلى إيرادات عامة دون قمع الإبداع والابتكار. إنها أفضل استجابة متاحة.
ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali
![]()




