راديو إكسبرس
البث المباشر
في شوارع هذه المدينة، يعرف السكان جميعًا امرأة يُلقبونها بـالجوهرة. جسد نحيل، صرخة حادة، حركة عدوانية، تمر أمام المقاهي والأسواق تصرخ، تسب، وتلوح بالحجارة أو بالكؤوس. كثيرون يخافونها، وكثير من النساء تتجنبها، لكن القليل فقط يعرف القصة الحقيقية وراء سلوكها.
الجوهرة لم تولد بهذا العنف، ولم تصبح مجرد صورة للجنون في نظر الناس، بل كانت فتاة شابة يثني الجميع على جمالها وهدوئها وأنوثتها الفاتنة. كان حلمها بسيطًا: أن تبني أسرة مع من أحبته بصدق، وأن تعيش حياة طبيعية مليئة بالحب والأمان. أحبته، وصدقته حين وعدها بالسفر إلى أوروبا للعمل والعودة ليكون زوجها. سنوات طويلة ربطت بينهما تبادلا فيها الأمل والانتظار.
لكن الواقع كان أقسى مما تصورت. بدأت رسائله تقل شيئًا فشيئًا، حتى اختفى أثره نهائيًا. بعد فترة، صادفته مصادفة وعرفت الحقيقة الصادمة: تزوج هناك وبنى حياة أخرى، تاركًا إياها في فراغ عاطفي واجتماعي هائل. قيل إنها ساعدته بالمال، قيل إنها أعطته قلبها وعمرها وشرفها، لكن الأكيد أن عقلها لم يحتمل الصدمة.
الصدمة دفعتها نحو هاوية لا عودة منها، انحدرت في عالم المخدرات، وخرجت إلى الشارع، حاملة حزنها وغضبها على كل من حولها. منذ ذلك اليوم، تمشي الجوهرة في شوارع القنيطرة، تصرخ وتسب وتهاجم كأنها تنتقم من العالم كله. في نظر السكان، مجرد امرأة عدوانية ومجنونة، لكن في الواقع، هي قصة إنسانية محطمة، جنى عليها من كان من المفترض أن يحميها.
الشاهد هنا ليس سلوكها العدواني، بل ما تحمله الروح البشرية من ألم نتيجة خيانة الحب وفقدان الدعم العائلي والاجتماعي. فالنساء في المجتمع، حين يتحولن من رمز الحنان والرقة إلى صورة العنف والقسوة، فإن ذلك يثير استغراب المجتمع ويدفعه إلى الحكم السريع، متجاهلًا أن وراء هذه العدوانية مأساة شخصية لا يمكن تجاوزها بسهولة.
الجوهرة ليست حالة فريدة، بل مرآة لتجارب كثيرة نساء عاشن خيبات كبيرة في الحب، أو فقدن أحباءهن، أو تعرضن للخيانة، وانعكس هذا الألم على سلوكهن اليومي. قصتها تطرح أسئلة عميقة حول المسؤولية الإنسانية، وكيف أن أقسى ما يمكن أن نفعله للآخرين ليس الجرح الجسدي، بل تحطيم الروح، والاعتداء على الأمان النفسي للإنسان.
الرسالة التي تحملها قصة الجوهرة واضحة: قبل أن تحكم على أي إنسان، تأمل خلفية حياته وتجربته. العدوانية قد تكون صرخة ألم، والانكسار النفسي قد يتحول إلى سلوك يراه المجتمع غريبًا أو غير مفهوم. وفي حالة الجوهرة، ما يراه الناس عنفًا، هو في الحقيقة صرخة روح محطمة، تعكس قسوة العالم الذي تركها وحيدة أمام ألمها.
قصتها دعوة للتفهم والتعاطف، ولإدراك أن كل إنسان يحمل وراء مظهره الخارجي قصة لم يسمعها أحد، وأن العدوانية أحيانًا ليست اختيارًا، بل انعكاس لجرح داخلي عميق. الجوهرة، برغم صرخاتها في شوارع القنيطرة، هي شهادة حية على أثر الخيانة وفقدان الحب والدعم على حياة الإنسان، وعلى ضرورة أن ننظر خلف السلوكيات قبل الحكم على أصحابها.
![]()



