راديو إكسبرس
البث المباشر
احتضنت الرباط، الأربعاء، حلقة نقاش ثانية نظمتها مؤسسة وسيط المملكة بشراكة مع مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية وبمشاركة حركة ضمير، خُصصت لمواصلة التفكير في تحولات الإدارة المغربية واستشراف ملامح ما بات يُعرف بـ“النموذج المرفقي الجديد” للخدمة العمومية.
وخلال افتتاح اللقاء، توقف وسيط المملكة عند التحولات العميقة التي تعرفها الإدارة، معتبرا أن فهم هذه المرحلة يمر عبر ثلاث صور رئيسية. الأولى ترتبط بما وصفه بـ“إدارة السياسات”، حيث لم تعد شكايات المرتفقين تقتصر على اختلالات فردية، بل امتدت إلى مساءلة السياسات العمومية نفسها. أما الصورة الثانية فتتعلق بـ“إدارة المنصات”، التي تطرح تحديات جديدة مرتبطة بالتحول الرقمي، من بينها الفجوة الرقمية وإشكالات تحيزات الذكاء الاصطناعي. في حين تتجلى الصورة الثالثة في “إدارة اللايقين”، حيث تواجه المؤسسات العمومية تحدي التوفيق بين سرعة اتخاذ القرار الحكومي وضمانات دولة القانون.

وشدد وسيط المملكة على أن المعرفة تظل شرطا أساسيا لفهم الاختلالات البنيوية داخل الإدارة، والانتقال من مجرد معالجة الشكايات الفردية إلى تحليل جذور المشاكل، معتبرا أن تحقيق الإنصاف يظل رهينا بفهم السياقات الاجتماعية التي تصدر فيها القرارات الإدارية.
من جهته، قدم محمد بنموسى، رئيس حركة ضمير، مداخلة خلال الجلسة الافتتاحية وصفها وسيط المملكة بأنها تشكل أرضية للتفكير في هذا النموذج المرفقي المعقد. وتوقف بنموسى عند ما سماه “كلفة اللغة الإدارية”، داعيا إلى مراجعة أساليب اشتغال المرافق العمومية، ليس فقط عبر تبسيط المساطر، بل أيضا من خلال اعتماد لغة تواصل أقرب إلى المواطنين وأكثر وضوحا.
كما نوهت شيماء بورجيج، ممثلة مؤسسة فريدريش ناومان من أجل الحرية، بمستوى التعاون القائم مع مؤسسة وسيط المملكة، معتبرة أن مثل هذه اللقاءات الفكرية تسهم في تغذية النقاش العمومي حول قضايا الحكامة والإصلاح الإداري، ومواكبة التحولات التي تشهدها الإدارة المغربية.
وعرفت الجلسة العلمية، التي أدارتها مريم الهواري، تقديم مجموعة من المداخلات الأكاديمية التي قاربت رهانات إصلاح الإدارة. وتناول الأستاذ عبد الحافظ أدمينو مسار الإصلاح الإداري بالمغرب، مسلطا الضوء على الانتقال من إصلاحات تركز على إعادة الهيكلة إلى أخرى تعطي الأولوية لجودة الخدمات وتبسيط الإجراءات. فيما ركز الأستاذ جواد النوحي على البعد الترابي للنموذج المرفقي الجديد، مشيرا إلى استمرار بعض الفوارق المجالية رغم عودة النقاش حول الدولة الاجتماعية، في ظل تدبير محلي لم يواكب بالكامل روح الإصلاحات الدستورية. أما الأستاذ رضوان اعميمي فتناول تحولات الفكر التشاركي داخل الإدارة، معتبرا أن قدرة المؤسسات العمومية لم تعد تقاس فقط بجودة قراراتها، بل بمدى قدرتها على إشراك شركائها وإنتاج القيمة العمومية، خاصة في زمن التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
وأجمع المتدخلون خلال النقاش على أن النقاش حول النموذج المرفقي الجديد يتجاوز مسألة تحديث الأدوات والمساطر، ليطرح سؤالا أعمق يتعلق بشرعية الفعل الإداري ذاته، أي الانتقال من منطق يربط الشرعية بمطابقة القرار للنص القانوني، إلى مقاربة تقيسها بمدى عدالة أثر القرار على المواطنين والمجالات الترابية. وهو ما يجعل مؤسسات الحكامة، وفي مقدمتها مؤسسة وسيط المملكة، طرفا أساسيا في النقاش العمومي حول مستقبل الخدمة العمومية بالمغرب.
![]()










