ليس رداً على هرّطيت … كرامة غرباوة ليسوا سلعة

ليس رداً على هرّطيت … كرامة غرباوة ليسوا سلعة

- ‎فيمجتمع, واجهة
IMG 20260211 WA0051

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

احمد نايت اوصالح/

 

في مشهد بات متكررًا في زمن منصات التواصل الاجتماعي، نرى أحيانًا من يختلط عليه دور الصحفي بالمستغل، ومن يظن أن الكاميرا تمنحه الحق في اختراق خصوصيات الناس، حتى في أشد اللحظات مأساوية. آخر هذه الأمثلة ما ظهر في فيديو نشره أحدهم، يدعي فيه أن السلطات منعته من التصوير داخل أحد مركز إيواء ضحايا الفيضانات بالقنيطرة، ويبرر هذا الادعاء بأنه جاء بـ«كارتونة مساعدات» ويريد نقل «نداء استغاثة».

 

لنكن صريحين: المواطن القنيطري والرأي العام المحلي لم يجدوا في هذا الفيديو أي أثر للصحافة الحقيقية، بل شاهدوا استغلالًا صارخًا لمعاناة 500 أسرة تم إجلاؤها من مناطق غمرتها السيول. المفارقة الكبرى هنا أن من يدّعي المساعدة كان يسعى في الوقت نفسه لتحقيق مكاسب شخصية عبر توثيق معاناة الآخرين، وتصويرها على أنها مادة لإنتاج أرباح على منصات التواصل الاجتماعي.

 

الصحافة المهنية لها حدود واضحة، وأولها احترام كرامة الناس، خصوصًا في المواقف الإنسانية الدقيقة. إدخال الكاميرا إلى مركز إيواء دون إذن، تحت حجة «توصيل رسالة إنسانية»، بينما يكون الدافع الحقيقي هو الشهرة أو الربح الرقمي، ليس صحافة بل استغلال. هنا لم يعد الحديث عن نقل الحقيقة، بل عن تحويل الألم إلى منتج رقمي يُسوق باسم الإنسانية.

 

يجب أن نتساءل: هل جلب كارتونة مساعدات بسيطة إلى مركز يضم مئات الأسر، يجعل من أحدهم بطلاً إنسانيًا؟ أم أنه مجرد محاولة لتلميع صورة شخصية على حساب معاناة الآخرين؟ الحقيقة واضحة لكل من يتابع المشهد بعين موضوعية: ليس هناك أي داعٍ لتصوير نداء استغاثة أو بث لحظات مأساوية، إذا كان الهدف النهائي هو نشر الفيديو لتحقيق «مشاهدات» أو «لايكات».

 

الأمر لا يقتصر على الطيش أو ضعف المهنية، بل هو انزلاق نحو أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات في زمن الرقمي: استغلال الإنسان في أضعف لحظاته كأداة للربح الشخصي والشهرة الزائفة. ما حدث في القنيطرة ليس مجرد حادث فردي، بل انعكاس لثقافة انتشرت بين بعض من يصفون أنفسهم بالصحفيين، حيث أصبحت المأساة مادة للعرض، والمعاناة وسيلة للتسويق الذاتي.

 

إن المنطق الذي اعتمده هذا الصحفي لم يتوقف عند الحد الأخلاقي فقط، بل تجاوز القانون الذي ينظم دخول المراكز ومراكز الإيواء، ويضع حماية المواطنين في مقدمة الأولويات. السلطات لم تمنع أي تغطية صحفية موضوعية، بل منعت استغلال الحدث وتحويله إلى مادة رقمية تجارية على حساب الضحايا. هذا الفعل ليس سوى تحذير لكل من يظن أن وجوده بالكاميرا يمنحه الحق في اختراق حدود الإنسانية والكرامة.

 

إن ما نحتاجه اليوم هو صحافة حقيقية، تنقل الحدث بدقة وموضوعية، تحمي الضحايا من التلاعب بصورهم وحكاياتهم، وتضع الأولوية دائمًا لمصلحة الإنسان قبل أي اعتبارات شخصية أو تجارية. الصحافة ليست مجرد عدسة وميكروفون، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهنة.

 

وفي هذا السياق، يجب أن يكون المواطن القنيطري، والرأي العام، على وعي كامل بالخط الفاصل بين من يغطي المأساة بنوايا صادقة ومن يحولها إلى مسرح للظهور والربح الرقمي. كل من يعتقد أن معاناة الآخرين فرصة لتلميع صورته أو تحقيق أرباح، لن ينجو من نقد المجتمع، ولن تمر محاولاته دون مساءلة أخلاقية.

 

في النهاية، يجب أن تكون هذه الواقعة درسًا لكل من يظن أن المأساة الإنسانية مادة للعرض والربح: احترام الإنسان وحقوقه وكرامته ليست خيارًا، بل واجبًا مقدسًا لا يمكن التفريط فيه. الصحافة الحقيقية تصنع الفارق، بينما الاستغلال الرقمي للمأساة يفضح من يقف وراء الكاميرا قبل أن يفضح الآخرين.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *