بقلم- سعيد رباعي
تبدو مجموعة “أمير الخسارات” كفسيفساء من الحكايات القصيرة التي تشيب مشروع سردي متماسك يشتغل على إعادة تعريف الخسارة خارج معناها الشائع بوصفها نهاية أو عطبًا. هنا، تتحول الخسارة إلى بنية داخلية للوجود، وإلى شرط من شروط الوعي، وإلى أفق جمالي يعيد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم. ما ينجزه رشيد مليح هنا هو نقل الخسارة من حقل الألم الصامت إلى حقل التفكير، ومن التجربة الفردية المنعزلة إلى أفق إنساني مشترك.
يتضح أن الكاتب لا يراهن على الحدث بقدر ما يراهن على الأثر. الأحداث غالبًا ما تكون عادية، هامشية، أو حتى غير مكتملة، لكن أثرها النفسي هو ما يشكل جوهر السرد. إننا أمام كتابة تُصغي لما يتبقى بعد انقضاء اللحظة، لما يظل عالقًا في الذاكرة كندبة خفيفة أو كصوت داخلي لا يكف عن الترديد. لذلك تنتمي قصص “أمير الخسارات”-الصادرة حديثا عن منشورات النورس- إلى ما يمكن تسميته بـ”سرديات الأثر”، حيث تصبح الذاكرة هي الفضاء الحقيقي للحكي.
لا تُقدَّم الشخصيات في هذه المجموعة كذوات مكتملة أو مستقرة، إنها كائنات في طور التشكّل والانكسار معًا. شخصيات تعيش على الحافة: بين الرغبة والعجز، بين الحلم والخيبة، بين الحاجة إلى الآخر والخوف منه. لا تسعى هذه الشخصيات إلى الانتصار، بل إلى الفهم، أو إلى التعايش مع هشاشتها دون أقنعة. وهنا تكمن قوة النص: في قدرته على تعرية الداخل الإنساني دون الوقوع في الابتذال أو الشكوى المباشرة.
أما اللغة، فهي أحد أبرز رهانات القاص رشيد مليح. إنها لغة مقتصدة، مشحونة، تقترب أحيانًا من الشذرة، وأحيانًا من الاعتراف، لكنها في كل الأحوال تحتفظ بكثافة شعرية عالية. لا تشرح، بل تلمّح؛ لا تصرّح، بل تترك فراغات دلالية يُطلب من القارئ أن يملأها. وهنا يتحول القارئ من مستهلك للمعنى إلى مشارك في إنتاجه، في تجربة قراءة تتطلب حساسية وتأملًا.
اللافت أيضًا هو حضور الإهداء بوصفه مفتاحًا تأويليًا للنصوص، إذ يربط بين فقد الأم، وهاجس الكتابة، وفعل القراءة كجسر بين الذوات. هذا التداخل بين الشخصي والكتابي يشي بأن الخسارة الأولى، المؤسسة، ليست فقط موضوعًا للسرد، بل هي أيضًا دافعه العميق. من هنا يمكن فهم الكتابة ذاتها كفعل مقاومة للنسيان، وكمحاولة لإعادة ترميم ما لا يُرمَّم.
تشتغل المجموعة، في عمقها، على تفكيك ثنائية الخسارة/النجاة، لتقترح بدلاً منها منطقة رمادية، حيث لا يكون الإنسان خاسرًا بالكامل ولا ناجيًا تمامًا. إنها منطقة العيش اليومي، حيث نستمر رغم كل شيء، ونحمل آثار ما فقدناه كجزء من هويتنا. بهذا المعنى، يصبح “أمير الخسارات” هو من يتقن العيش مع خساراته، ومن يحوّلها إلى معرفة هادئة، وإلى حساسية مضاعفة تجاه العالم.
![]()


























