ببلاغ رسمي موجه ضد زميل صحفي، قررت النقابة الوطنية للصحافة المغربية أن تخوض معركتها هذه المرة من موقع الادعاء، لا من موقع الحماية. اختارت أن ترفع العصا، وأن تُلوّح بالقضاء، وأن تُقدّم نفسها فجأة كحارس أخلاقي للمهنة. لكن ما لم تنتبه له، أن هذا البلاغ، بدل أن يُدين صاحبه المفترض، انتهى إلى فضح النقابة نفسها، وكشف تناقضاتها على الملأ.
قال البعض أنها مجرد “زلة قلم” وردت في رد أحد الزملاء حين كتب “النصابة الوطنية للصحافة المغربية”، لكن الواقع أن هذه العبارة، حتى وإن لم تكن مقصودة، أصبحت تختصر حالة ارتباك عميقة تعيشها النقابة، بين خطاب تدّعيه وممارسات تناقضه.
لأن السؤال الحقيقي ليس ماذا كتب هذا الزميل الصحفي، بل لماذا تتحرك النقابة اليوم بهذه الحدة، بينما التزمت الصمت لسنوات؟ أين كانت حين تحولت منصات كاملة إلى فضاءات للقذف والتشهير؟ أين كانت حين تم استهداف صحافيين بأسمائهم وصورهم؟ بل أين كانت حين طالت حملات التشهير مسؤولين كبار في الدولة دون أدنى تدخل أو حتى إشارة؟
الصمت آنذاك لم يكن حياداً، بل كان موقفاً. واليوم، هذا التحرك ليس دفاعاً عن الأخلاق، بل محاولة أخرى لترميم الذات، لأن الحقيقة التي لم تعد قابلة للإخفاء هي أن هذه النقابة استهلكت رصيدها وفقدت الكثير من معناها داخل الجسم الصحفي.
الأكثر خطورة، أن ما يجري داخل النقابة نفسها لم يعد خافياً. صراعات على الامتيازات، تنافس حول سفريات إلى الخارج تُموَّل من المال العام، تحولت من مهام تمثيلية إلى غنائم يتم اقتسامها في دوائر ضيقة. هذا المناخ، الذي تغذيه الحسابات الشخصية، يبدو أنه أنتج حالة من التضخم الذاتي، أو ما يمكن تسميته بـ“ جنون العظمة”، حيث يتصرف البعض وكأنهم خارج أي مساءلة.
ولهذا، فإن هذا البلاغ تحديداً لم يُحرج أحداً بقدر ما حرر الكلام و رفع الحرج على أصحاب المهنة و حتى من هم خارجها. فتح الباب أمام الجميع لطرح الأسئلة المؤجلة: كيف تُدار هذه النقابة؟ من يقرر؟ وعلى أي أساس تُوزّع الامتيازات والأدوار؟
أما عبد الكبير خشيشن، الذي اختار اليوم أن يظهر في موقع المؤدِّب، فإن موقعه هذا يطرح أكثر مما يجيب. لأن من يرفع العصا اليوم في وجه الصحافيين كان هو أول من التزم الصمت حين كانت المهنة تُنتهك أمامه.
إنها النهاية! و يا لبؤسها، . لأن النقابة التي تُفقدها ممارساتها توازنها، وتحوّلها من إطار جامع إلى طرف في الصراع، لا يمكنها أن تدّعي تمثيل المهنة.
بلاغ واحد كان كافياً… ليقول كل شيء.

![]()





















