تقدم الاقتصاد وبطء المحاسبة – هل المغرب يعيد تعريف السرعتين؟

تقدم الاقتصاد وبطء المحاسبة – هل المغرب يعيد تعريف السرعتين؟

- ‎فيرأي, شن طن, واجهة
الانتخابات
Stylish Audio Player

راديو إكسبرس

البث المباشر

بقلم نجيبة جلال

الفساد في المغرب ليس مجرد تجاوزات فردية، بل مرآة لنظام سياسي وأخلاقي برمته، الأرقام تكشف الحقيقة بلا رتوش: في فرنسا، تضم المؤسسات الديمقراطية نحو 578 ألف منتخب، ومع ذلك لا تتجاوز المتابعات القضائية 400 حالة، أي 0,069 % من الهيئة التمثيلية، القليل من المتابعين القضائيين يعكس فعالية القانون والمؤسسات في احتواء الانحرافات، ويظهر أن الديمقراطية، رغم عيوبها، يمكن أن تتقدم ضمن إطار محكم من الرقابة والمساءلة.

أما في المغرب، فإن المشهد مختلف تماما، من بين نحو 25 ألف منتخب، يوجد 500 تحت طائلة القانون، بينهم 60 برلمانياً بين تحقيق وسجن، أي أن نسبة الفساد تصل إلى 2 % من الهيئة التمثيلية، أعلى بـ 29 مرة مقارنة بفرنسا، البرلمان والجماعات الترابية تتحول، بهذه النسبة، إلى ساحة مفتوحة للصفقات والمصالح الشخصية. المواطن المغربي يراقب بصمت بينما تُنهب الثروة العامة في صفقات مُريبة، تعكس أن المؤسسات الوطنية لا تزال عاجزة عن فرض الحد الأدنى من الشفافية.

الناتج الداخلي الخام يعمّق المفارقة: فرنسا 3.200 مليار دولار، المغرب بالكاد 160 مليار دولار. الفرق الاقتصادي هائل، لكن الفساد المغربي “يتفوق” على الفرنسي بالأرقام النسبية. أي أن موارد البلاد الصغيرة تُستنزف بسرعة أكبر، بينما المواطن يظل مشاهدًا، والطبقة السياسية تتنافس في تكديس المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة.

إذا نظرنا إلى المنطقة، نجد أن الجزائر، رغم محاولات محاسبة بعض المسؤولين، لا توفر قاعدة بيانات شفافة، والقضايا تُدار ضمن ملفات كبرى وعناوين صحفية، ما يجعل المتابعة صعبة والأثر الشعبي محدوداً. تونس، بعد الثورة، رفعت شعار مكافحة الفساد، لكن البيانات الرسمية ضبابية، والقضايا تطال بعض “الكبار” فقط، بينما الطبقة السياسية نفسها لم تتغير. أما مصر، فتتحدث عن استراتيجيات وطنية ومؤشرات إدارية، لكنها تُخفي المتابعات القضائية للمنتخبين وراء ملف الأمن القومي، فلا إحصاءات مستقلة ولا شفافية حقيقية.

في هذا السياق، يظهر المغرب كاستثناء نادر في المنطقة. رغم أرقامه الصادمة، بدأ مساراً شفافاً يفضح مدى الفساد السياسي، حتى وإن كان هذا المسار لا يزال يسير ببطء. وهنا يلتقي الواقع بالخطاب الملكي حول أن المغرب يمشي بسرعتين: هناك سرعة واضحة في الإنجازات الكبرى – مشاريع البنية التحتية، تنمية الصحراء، الطاقة المتجددة – وهناك سرعة بطيئة ومربكة في محاسبة المنتخبين والحد من الفساد.

الأمثلة كثيرة: برلمانيون متابعون قضائياً على خلفية صفقات مشبوهة، رؤساء جماعات متهمون بالرشوة أو اختلاس المال العام، وملفات فساد لا تتكشف إلا بعد ضغط إعلامي ومطالب شعبية. بينما في فرنسا، متابعة منتخب واحد تتطلب تحقيقات دقيقة وعامة، في المغرب يبدو أن كل عملية محاسبة تحتاج إلى حملة ضغط طويلة، قبل أن ترى النور.

الرهان قبل انتخابات 2026 صارخ: إما استمرار التطبيع مع الفساد، وتحويل البرلمان والجماعات الترابية إلى ساحة مفتوحة للمصالح المشبوهة والصفقات السرية، أو اعتماد نظام مشدّد للمحاسبة والشفافية. النظام الأول يضمن استمرار تآكل الثقة، والاقتصاد المجمد، والمواطن كمتفرج على مسرحية فساد بلا نهاية. النظام الثاني يمكن أن ينقل المغرب إلى السرعة الحقيقية التي تحدث عنها الملك: تقدم اقتصادي واجتماعي مؤسس على قواعد صارمة، وسيادة القانون، ومسؤولية المنتخبين أمام الشعب.

الديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط، بل مساءلة صارمة ومحاسبة فعلية. بدونها، سيبقى المواطن مجرد ممول لحفلة فساد لا تنتهي، وستظل البلاد تمشي بسرعتين متناقضتين: واحدة نحو الإنجاز والتنمية، وأخرى نحو الفراغ السياسي والانتهازية، حيث تتنافس مصالح الأفراد على حساب المصلحة العامة.

وإذا أراد المغرب أن يثبت أن الكلام الملكي ليس مجرد شعارات، فعليه توحيد السرعتين: تقدم ملموس في الاقتصاد والحقوق، ومحاكمة صارمة لكل منتخب يستغل المنصب. كل شيء آخر مجرد زينة سياسية وديكور انتخابي.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *