نجيبة جلال/
في سياق إقليمي متوتر، انعقدت جلسة إعلامية نوعية بعنوان «الخليج ما بعد هدنة الاعتداء الإيراني»، بمشاركة نخبة من الأسماء الإعلامية والفكرية في الفضاء الخليجي، يتقدمهم الإعلامي محمد الأحمد (شبكة أبوظبي للإعلام) الذي تولّى إدارة الجلسة، إلى جانب الإعلامي محمد الملا من دولة الكويت، والكاتبة سوسن الشاعر من مملكة البحرين. وقد شكل هذا اللقاء منصة تحليل عميق لما بعد “الهدنة”، باعتبارها لحظة مفصلية لا تختزل في التهدئة، بل تؤسس لمرحلة إعادة تشكيل التوازنات.
منذ البداية، انطلقت النقاشات من فرضية واضحة: الهدنة لا تعني نهاية الصراع، بل قد تكون مجرد إعادة تموضع استراتيجي للأطراف، في انتظار جولات أكثر تعقيداً. هذا الطرح أعاد توجيه النقاش نحو سؤال مركزي: هل المنطقة أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء نظام إقليمي جديد، أم أننا بصدد هدنة تكتيكية ضمن صراع طويل النفس؟

التحليل الذي قُدّم خلال الجلسة أظهر تحولاً لافتاً في الرؤية الخليجية، حيث لم يعد خيار “الاحتواء” مطروحاً بالصيغة التقليدية، خاصة في ما يتعلق بالميليشيات والأذرع المسلحة. بل إن التوجه يميل اليوم نحو الحسم الاستراتيجي، في ظل معطيات ميدانية تشير إلى تراجع قدرات بعض هذه الأذرع. فـ”حزب الله”، وفق ما تم تداوله، استنزف جزءاً كبيراً من مخزونه، والحوثيون يعيشون مرحلة إنهاك، فيما تبقى الخلايا النائمة التهديد الأكثر تعقيداً، ما يستدعي سياسات حازمة تتجاوز منطق التعايش إلى منطق الردع الصريح.
وفي هذا السياق، برزت دعوة قوية إلى إعادة بناء النظام الإقليمي على أسس جديدة: استقلال القرار، الاستثمار في المواطن، خلق شركات وطنية قادرة على المنافسة، وتبني استراتيجيات خارجية أكثر توازناً. لم يعد الرهان فقط أمنياً، بل أصبح تنموياً وسيادياً في العمق.
أما بخصوص العلاقة مع إيران، فقد كان الموقف الذي عبّر عنه الإعلامي محمد الملا واضحاً: لا يمكن الوثوق في النظام الإيراني، في ظل سجل طويل من السلوك المزدوج، ما يجعل أي رهان على تغيير جذري في نهجه أمراً غير واقعي. هذا التقييم يعزز منطق الحذر الاستراتيجي، ويضع حدوداً لأي مقاربة تقوم على حسن النوايا.
من زاوية أخرى، كشفت الجلسة عن تقاطع لافت بين انشغالات الإعلاميين في الخليج ونظرائهم في المغرب. نفس التحديات المرتبطة بتوظيف الإعلام كأداة تأثير ضمن حروب السرديات، ونفس الإشكالات المرتبطة بوجود أصوات إعلامية تتحول إلى امتدادات ناعمة لأجندات خارجية. وهو ما يعيد طرح سؤال السيادة الإعلامية*كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي.
وفي هذا الإطار، شددت الكاتبة سوسن الشاعر على ضرورة رفع سقف الدفاع عن الدول، معتبرة أن المرحلة لم تعد تحتمل الرمادية، وأن الاصطفاف أصبح واضحاً في زمن التحولات الكبرى، حيث لم يعد ممكناً التمييز بين الموقف والحياد حين يتعلق الأمر باستقرار الدول.
الجلسة، في عمقها، لم تكن مجرد نقاش إعلامي، بل قراءة سياسية واستراتيجية لمرحلة انتقالية حساسة. خلاصتها أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حاسم: إما ترسيخ نموذج الدولة الوطنية القوية، القادرة على حماية نفسها واستثمار مواردها البشرية، أو الاستمرار في دوامة الأذرع والولاءات المتداخلة.
في النهاية، تبرز معادلة جديدة بوضوح: الهدنة ليست نهاية الصراع، بل اختبار لإرادة الدول في إعادة صياغة قواعده.
![]()


























