في انحدار خطير يكشف عن وجه قمعي يتجاوز كل الخطوط الحمراء، تواصل السلطات الجزائرية إحكام قبضتها الأمنية على أنفاس المجتمع بأساليب ترهيبية لم تعد تقتصر على تكميم أفواه المعارضين والزج بهم في غياهب السجون، بل امتدت لتطال العائلات والأمهات في ممارسات انتقامية فجة. هذا التصعيد الممنهج يعكس حالة من الهستيريا الأمنية التي تسعى لكسر إرادة الأحرار وإسكات أي صوت يجرؤ على المطالبة بالعدالة أو كشف فساد السلطة، وهو ما تجلى بوضوح في الأيام القليلة الماضية عبر انتهاكات صارخة تضرب عرض الحائط بأبسط حقوق الإنسان وتفضح زيف الخطابات الرسمية حول الحريات.
ففي سابقة خطيرة تعكس إفلاسًا أخلاقيًا وسياسيًا للنظام العسكري الجزائري الحاكم، لم تتورع أجهزة أمن ولاية قسنطينة صبيحة السابع من أفريل الجاري عن اقتحام حرمة المنازل وترويع الآمنين، حيث أقدمت على توقيف السيدة المسنة سامية بكوش، البالغة من العمر 66 عامًا، ونجلها حمزة طلاعة. لم يكن ذنب هذه الأم سوى أنها والدة الناشط فوزي طلاعة، الذي أجبرته الملاحقات على اختيار منفاه القسري. وفي مقر الأمن، مورست على السيدة سامية أبشع أنواع الابتزاز النفسي والضغط المباشر لإجبارها على الاتصال بابنها ومطالبته بالتخلي عن نضاله المشروع لكشف مصير والده، فريد طلاعة، المخفي قسرًا منذ عام 1998. إن تحويل أمهات وعائلات ضحايا الاختفاء القسري إلى رهائن وأدوات ضغط لكسر شوكة أبنائهم يمثل سقوطًا مدويًا في مستنقع تصفية الحسابات، ودليلاً قاطعًا على رعب السلطة من ملفات الماضي التي لا تزال تنزف دون كشف للحقيقة أو تحقيق للعدالة.
ولم تتوقف آلة القمع عند حدود الابتزاز العائلي، بل استمرت في حصد الأصوات الحرة في الميدان لضمان تعتيم شامل على المشهد. ففي الثالث عشر من أفريل، أمر قاضي التحقيق بمحكمة البيض بإيداع الصحفي والمدافع الشرس عن حقوق الإنسان، حسن بوراس، رهن الحبس المؤقت، بتهم جاهزة ومعلبة شملت جنايتين وجنحتين. جاء هذا القرار التعسفي إثر مداهمة بوليسية لمنزله العائلي وتفتيشه تفتيشًا دقيقًا أفضى إلى مصادرة حاسوبه، في مشهد قمعي يعيد إنتاج سيناريوهات الترهيب التي تعرض لها عام 2015. إن استهداف بوراس، الذي كرس حياته للوقوف في وجه آلة الفساد ونقل معاناة المهمشين بشجاعة نادرة، ليس سوى محاولة يائسة لاغتيال الكلمة الحرة وتغييب الشهود على انتهاكات المرحلة، مؤكدًا أن فاتورة الالتزام بالعمل الحقوقي في الجزائر لا تزال باهظة وتُدفع من حرية الأفراد وأعمارهم.
إن ما تشهده الجزائر اليوم، من توقيف للصحفيين الميدانيين إلى اعتقال الأمهات المسنات واستخدامهن كدروع للابتزاز، يضعنا أمام لوحة قاتمة لدولة بوليسية تصادر الحق في التعبير وتجرم السعي نحو الحقيقة. هذه الممارسات لا تمثل مجرد تجاوزات فردية، بل هي سياسة دولة ممنهجة تهدف إلى وأد الذاكرة وإخراس الحاضر، مما يستدعي تحركًا حقوقيًا دوليًا ومحليًا عاجلاً لوقف هذا العبث، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان وعائلات المختفين قسرًا، وضمان حقهم في النضال دون ترهيب. فرغم قتامة المشهد، تثبت هذه الانتهاكات أن إرادة المطالبين بالعدالة، من أبناء المفقودين إلى فرسان الكلمة، أصلب من أن تُكسر بزنازين الاعتقال أو غرف التحقيق المظلمة.
![]()




















