جنوب شرق آسيا يعيد رسم خريطة التجارة الزراعية العالمية

جنوب شرق آسيا يعيد رسم خريطة التجارة الزراعية العالمية

- ‎فياقتصاد, دولي, واجهة
Asie du Sud Est Le retour en force du ble et du mais americains 696x392 1
Stylish Audio Player

راديو إكسبرس

البث المباشر

متابعة

تتجه دول جنوب شرق آسيا إلى تغيير موازين التجارة الزراعية العالمية، عبر تكثيف اتفاقاتها لزيادة وارداتها من القمح والذرة وفول الصويا الأمريكي. دول مثل إندونيسيا وبنغلادش وفيتنام بدأت تعزز مشترياتها من الولايات المتحدة، ما يهدد الحصص التقليدية لمصدّرين تاريخيين مثل أستراليا وكندا والأرجنتين وروسيا.

على مدى العقد الماضي، نجح مزارعو منطقة البحر الأسود (روسيا وأوكرانيا) وأمريكا الجنوبية في اقتطاع جزء من السوق الآسيوية على حساب الولايات المتحدة. فإندونيسيا، أكبر مستورد للقمح في العالم، اعتمدت بشكل كبير على أوكرانيا وروسيا والأرجنتين. غير أن الاتجاه بدأ ينقلب. فبفضل الاتفاقات التجارية والأسعار التنافسية، استعادت الولايات المتحدة موقعها. فمنذ يوليوز، اشترت المطاحن الإندونيسية 250 ألف طن من القمح الأمريكي، مع التزام باستيراد ما يصل إلى مليون طن سنويا.

بنغلادش بدورها تسلك المسار نفسه. ففي يوليوز صادقت دكا على استيراد 220 ألف طن من القمح الأمريكي، مع اتفاقية سنوية تصل إلى 700 ألف طن مستقبلا، بعدما كانت لم تستورد شيئا تقريبا من الولايات المتحدة سنة 2024.

معركة الأسعار

السلاح الأساسي لواشنطن اليوم هو السعر. فالقمح الأمريكي الطري الأبيض يعرض بنحو 280 دولارا للطن، أي بمستوى أسعار البحر الأسود. كما أن الذرة الأمريكية أرخص بـ10 إلى 15 دولارا مقارنة بنظيرتها القادمة من أمريكا الجنوبية، بينما يباع كُسب فول الصويا الأمريكي بخمسة دولارات أقل من منافسيه.

ورغم ضآلة هذه الفوارق، إلا أنها حاسمة في بلدان تسعى إلى تأمين كميات ضخمة من الغذاء بتكاليف أقل، لإطعام سكانها المتزايدين. وتمثل آسيا، باعتبارها مستوردا صافيا للمواد الغذائية، نحو 30 في المائة من إجمالي المشتريات العالمية من القمح والذرة وكُسب فول الصويا.

اتفاقات متتالية

بعد إندونيسيا وبنغلادش، تتحرك فيتنام على نفس الخطى، حيث أعلنت في يونيو عن نيتها توقيع عقود بقيمة ملياري دولار مع الولايات المتحدة، بينها 800 مليون دولار مع ولاية أيوا وحدها لاستيراد الذرة والقمح ومشتقات أخرى. وقد ارتفعت مشترياتها من الذرة الأمريكية خلال موسم 2024/2025 إلى 1.1 مليون طن، مقابل 2000 طن فقط في الفترة نفسها من العام الماضي.

كما تستعد الفلبين وتايلاند بدورهما لتعزيز وارداتهما من الذرة الأمريكية. بانكوك أشارت إلى استيراد مليوني طن من فول الصويا في إطار اتفاق جديد، بينما تناقش مانيلا تخفيض الرسوم الجمركية على الذرة لتنويع مصادرها.

أستراليا والبحر الأسود تحت الضغط

يشكل هذا التحول تهديدا مباشرا للمصدرين التقليديين. فأستراليا، التي زودت إندونيسيا بـ3 ملايين طن من القمح عام 2024 (ربع احتياجاتها)، قد تفقد مئات آلاف الأطنان من حصتها. أما مزارعو البحر الأسود، الذين يواجهون أصلا كلفة نقل مرتفعة لبعد المسافة، فقد يتأثرون بشكل أكبر بالمنافسة الأمريكية.

إعادة تشكيل التدفقات العالمية

هذا التحول يعكس اتجاها ثابتا: في ظل التوترات الجيوسياسية وحاجة الدول إلى تأمين إمداداتها، توظف الولايات المتحدة سلاح السعر والدبلوماسية التجارية معا. وإذا ما التزمت الدول الآسيوية بتنفيذ هذه الاتفاقات، فقد يُعاد رسم خريطة تجارة الحبوب العالمية: مزيد من الحبوب الأمريكية نحو آسيا، مقابل إعادة تموقع قسري لأستراليا والأرجنتين وروسيا وكندا.

ويرى تيموثي لو، المدير الإقليمي لمجلس صادرات فول الصويا الأمريكي لجنوب شرق آسيا وأوقيانوسيا، أن هذه الاتفاقات تمنح واشنطن فرصة لترسيخ وجودها في الأسواق الآسيوية على المدى الطويل.

وبينما شهدت السنوات الأخيرة تراجعا في موقع الولايات المتحدة أمام منافسيها من نصف الكرة الجنوبي والبحر الأسود، تمنحها آسيا اليوم فرصة انتعاش غير متوقعة. فالمعركة حول القمح والذرة وفول الصويا لن تحسمها الكميات فقط، بل أيضا القدرة على إبرام شراكات استراتيجية تضمن موقعا ثابتا في سلسلة الإمدادات الغذائية العالمية.

 

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *