التعاون المغربي الإسباني في مكافحة الإرهاب – نموذج أمني عابر للحدود

التعاون المغربي الإسباني في مكافحة الإرهاب – نموذج أمني عابر للحدود

- ‎فيدولي, واجهة
الارهاب
Stylish Audio Player

راديو إكسبرس

البث المباشر

على ضفتي مضيق جبل طارق، حيث تتشابك التهديدات وتتقاطع المصالح، نشأ نموذج أمني نادر من نوعه: شراكة استخباراتية وعملياتية بين المغرب وإسبانيا، تجسد بامتياز مفهوم الأمن المشترك في حوض البحر الأبيض المتوسط، فبينما يشكل المغرب بوابة استراتيجية نحو القارة الأفريقية، تقف إسبانيا حارسة للبوابة الجنوبية لأوروبا، مما يجعل التنسيق بينهما ضرورة وجودية لا خيارا دبلوماسيا.

خلفية التعاون: من الثنائية إلى الاستراتيجية

أخذ هذا التعاون يتعزز بصورة لافتة منذ مطلع العقد الثاني من الألفية الثالثة، حين بلغ خطر التنظيمات المتطرفة ذروته مع صعود تنظيم داعش وانتشار شبكاته عبر القارات، أدرك البلدان في مرحلة مبكرة أن العمل الأمني المنفرد لم يعد يستوعب حجم التهديد، وأن التنسيق الاستخباراتي والعملياتي بات السبيل الوحيد لمواجهة خصم يتحرك بحرية عبر الحدود.

وما يميز هذا التعاون عن غيره من الشراكات الإقليمية أنه لا يقتصر على تبادل الوثائق والمعلومات، بل يمتد إلى تنفيذ عمليات ميدانية متزامنة، ومراقبة رقمية مشتركة، وتنسيق قضائي يطال الملاحقة والتحقيق معا.

أبرز العمليات المشتركة: ثلاثون خلية في أقل من عقد

مارس 2026 – طنجة ومايوركا: في أحدث فصول هذا التعاون، نجحت الأجهزة الأمنية في البلدين من تفكيك خلية موالية لتنظيم داعش، أسفرت عن توقيف ثلاثة عناصر؛ اثنان اعتقلا في مدينة طنجة شمال المغرب، فيما أوقف زعيم الخلية في جزيرة مايوركا الإسبانية، وكانت الشبكة تنشط في تمويل العمليات الإرهابية في منطقة الساحل الأفريقي، مع التخطيط لاستهداف أراض إسبانية.

أكتوبر 2022 – الناظور ومليلية: كشفت العملية المشتركة عن شبكة متخصصة في التجنيد ونشر الفكر المتطرف عبر الإنترنت، تنشط بين مدينة الناظور المغربية ومدينة مليلية، مسلطة الضوء على تحول الجماعات الإرهابية نحو الفضاء الرقمي منصة للاستقطاب والتأثير.

2019 – مدريد والناظور: اتسمت هذه العملية بطابعها العابر للجغرافيا الحضرية، إذ استهدفت عناصر تتوزع بين ضواحي العاصمة الإسبانية ومدينة الناظور، في عملية تجسد النهج الاستباقي الذي يسعى إلى تفكيك الخلايا قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ.

وتُشير المعطيات المتاحة إلى أنه منذ سنة 2014، جرى تفكيك ما يزيد على ثلاثين خلية إرهابية في إطار هذه الشراكة، وهو رقم يعكس عمق التنسيق واستمراريته بعيدا عن الأضواء الإعلامية.

آليات الاشتغال: تكامل متعدد المستويات

يعمل التعاون الأمني بين البلدين عبر منظومة متكاملة من الآليات، تشمل: تبادل المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي، وتنفيذ العمليات الميدانية المتزامنة، ومراقبة الأنشطة المتطرفة في الفضاء الرقمي، فضلا عن تفكيك شبكات التمويل وتجفيف منابع الدعم اللوجستي، ويتوج هذا كله بتنسيق قضائي يضمن متابعة الملفات حتى مرحلة الإدانة.

وما يضفي على هذه المنظومة قيمتها الحقيقية هو طابعها الاستباقي؛ إذ لا تنتظر وقوع الهجمات لترد عليها، بل تعمل على استئصال الخلايا في مراحلها الجنينية، قبل أن تنضج خططها وتتحول إلى كوارث.

عوامل النجاح: ما الذي يجعل هذه الشراكة صامدة؟

ثمة عوامل بنيوية تفسر متانة هذه الشراكة واستمراريتها، يأتي في مقدمتها الثقة المتبادلة بين الأجهزة الأمنية، وهي ثقة بنيت عبر سنوات من العمل المشترك والنتائج الملموسة، يضاف إلى ذلك القرب الجغرافي وتشابك التهديدات، إذ لا يمكن لأي من الطرفين أن يضمن أمنه بمعزل عن الآخر.

كذلك أسهمت الاتفاقيات الأمنية الثنائية في توفير إطار قانوني ومؤسسي يحكم هذا التعاون ويمنحه استمرارية تتجاوز التقلبات السياسية، ولعل أبلغ دليل على ذلك أن هذه الشراكة الأمنية ظلت صامدة حتى في أحلك فترات التوتر الدبلوماسي بين الرباط ومدريد، مما يدل على أنها ترقت إلى مرتبة الملف الاستراتيجي الذي يعلو على الخلافات الظرفية.

ويسجل المراقبون أيضا أهمية تبادل الخبرات والتجارب في مجال مكافحة التطرف، لا سيما في ظل تطور أساليب التجنيد ووسائل الاتصال التي باتت تتجاوز الرقابة التقليدية.

نموذج قابل للتصدير

يجسد التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا نموذجا ناجعا يستحق الدراسة والاستلهام على المستوى الإقليمي، فقد أثبت قدرته على تفكيك عشرات الخلايا الإرهابية وإحباط مخططات كان يمكن أن تودي بحياة مدنيين في ضفتي المتوسط.

غير أن التحديات لا تتوقف فمع تطوّر الجماعات المتطرفة لأساليبها الرقمية، وتنامي الشبكات الإرهابية في منطقة الساحل، يبدو أن هذا التعاون أمام مرحلة جديدة تستوجب تعميق آليات التنسيق وتوسيعها لتشمل أبعادا تقنية ورقمية أكثر تطورا.

وفي المحصلة، لن يحسم الرهان الأمني في هذه المنطقة من العالم عبر الحدود والأسوار، بل عبر شراكات من هذا القبيل، تقوم على الثقة والتكامل والإرادة المشتركة في مواجهة تهديد لا يعترف بالحدود ولا يرتدع بالحواجز.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *