مع بداية سنة 2026، تدخل المقاولات المغربية مرحلة دقيقة توصف بـ”اختبار الحقيقة”، خاصة تلك التي وُلدت في سياق الانتعاش الاقتصادي لما بعد أزمة 2023. هذه المقاولات، التي استفادت من إعفاء ضريبي على الضريبة على القيمة المضافة (TVA) لمدة 36 شهراً عند اقتناء تجهيزاتها، تجد نفسها اليوم أمام واقع مالي أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع رهانات السيولة مع تعقيدات المساطر الجبائية وتحديات تنزيل ميثاق الاستثمار.
فعلى الرغم من توجه السياسة الجبائية نحو تحقيق حياد ضريبي كامل، إلا أن الممارسة اليومية تكشف عن فجوة واضحة بين النص القانوني والواقع المالي للمقاولات. فمع انتهاء فترة الإعفاء الأولى، يصبح اللجوء إلى تمديد إضافي لمدة 24 شهراً خياراً حاسماً، خصوصاً بالنسبة للمشاريع الصناعية الكبرى التي تتجاوز مدة إنجازها ثلاث سنوات. هذا التمديد، وإن كان متاحاً قانونياً، يتم في إطار مراقبة دقيقة من الإدارة الضريبية، رغم التحسن الملحوظ في معالجة الملفات بفضل الرقمنة التي اعتمدتها المديرية العامة للضرائب.
غير أن الإشكال الأبرز لا يكمن فقط في آجال الإعفاء، بل في آليات الاستفادة منه، وعلى رأسها نظام الشراء دون أداء TVA، أو ما يعرف بـ”صفر TVA”. هذا النظام، الذي يفترض أن يخفف العبء المالي عن المستثمر، يصطدم بشرط تقديم ضمانة بنكية تعادل قيمة الضريبة. هذه الضمانة، التي تمتد على طول فترة استهلاك التجهيزات، تتحول عملياً إلى تجميد لجزء مهم من السيولة، خصوصاً بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، ما يدفع العديد منها إلى تفضيل الأداء الفوري للضريبة وانتظار استرجاعها، رغم ما يرافق ذلك من تأخير.
وفي سياق موازٍ، يطرح التفاعل بين النظام الجبائي وميثاق الاستثمار إشكالية أخرى تتعلق بعدم تزامن التدفقات المالية. فالدولة، التي توفر دعماً قد يصل إلى 30% من حجم الاستثمار، لا تضخ هذه التحفيزات بالسرعة الكافية لتعويض الأداء الفوري للضريبة، ما يخلق فجوة زمنية تضغط على الخزينة وتزيد من الحاجة إلى تمويل إضافي. هذا “الاختلال الزمني” يضعف القدرة التمويلية للمشاريع، خاصة تلك ذات الكلفة العالية.
في المقابل، يبرز نظام “الاقتطاع الذاتي” (autoliquidation) كأحد النجاحات التقنية في ورش إصلاح TVA، حيث يسمح بتحقيق حياد فوري دون تأثير على السيولة، من خلال تسجيل الضريبة في نفس الوقت كدين وخصم. غير أن هذا النظام يتطلب دقة محاسبية عالية ويظل تحت مراقبة صارمة من طرف الإدارة، تفادياً لأي استعمال غير مشروع.
أما على المستوى الهيكلي، فتستمر الدولة في تنفيذ إصلاح شامل يروم تقليص عدد نسب TVA إلى مستويين فقط: 10% و20%، بهدف القضاء على الاختلالات المرتبطة بفائض الضريبة أو ما يعرف بـ”البوتوار”. هذا التوجه، وإن كان واعداً على المدى الطويل، لا يزال في مرحلة انتقالية تتطلب مزيداً من التكييف والتوازن.
في المحصلة، يظهر أن تحقيق الحياد الضريبي الكامل في المغرب لا يزال رهيناً بتجاوز مجموعة من التحديات العملية، أبرزها كلفة الضمانات البنكية، وتأخر صرف التحفيزات، وتعقيد المساطر. وبين طموح الإصلاح وواقع المقاولة، تظل معركة السيولة هي الفيصل في إنجاح دينامية الاستثمار خلال المرحلة المقبلة.
![]()



















