القتل الرحيم لنوليا كاستيو “أنت على هذه الأرض… لا علاج محتوم لذلك” صمويل بيكيث

القتل الرحيم لنوليا كاستيو “أنت على هذه الأرض… لا علاج محتوم لذلك” صمويل بيكيث

- ‎فيرأي, واجهة
IMG 20260330 WA0071
Stylish Audio Player

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

 

هل من الممكن أن يصل الإنسان إلى الحدود القصوى للحياة؟ إلى ذروة رغبته في الذهاب؟ إلى حدود يفقد فيها إطلاقا أية رغبة في استمرار العيش؟ حدود تتلاشى فيها لديه جدوى المضي قدما في الحياة كما الناس؟ وتشتعل فيه آخر أمنية.
شخص يأكل دواخله مرض ما، ويستعصي معه أي شفاء. ومتى كان المرض مبررا لموت طوعي يسمونه موتا رحيما لأنه يجسد خلاصا نهائيا من ألم مستمر غير مجدي؟ وهل فعلا الموت خلاص؟

كلها أسئلة وجودية يثيرها “الموت الرحيم”, وهو طلب طبي طوعي يعبر عنه المرضى تحت مبرر عدم احساسهم بجدوى أي نسق استشفاء, ويعبرون عنه لما يقف الطب فعلا أمام انعدام فاعلية العلاجات الكفيلة بتحسين أوضاعهم الجسدية والنفسية والروحية. هو طلب إنهاء حياة منتهية طبيا وغير جديرة بالعيش.

لقد انتشر في أوروبا, كبقعة زيت متحركة، حق الناس في موت رحيم بوضع حد طبي لحياتهم بعد استيفاءهم لشرط عجز الطب أمام حالتهم وانسداد كل آفاق ارتفاقهم الاستشفائي. و أيضا تحت شرط سلامتهم العقلية وصفاء قرارهم في الموت من كل شوائب الخرف العقلي أو تحت طائلة ضغط خارجي ما. فتحول الحق في الموت الرحيم شيئا فشيئا في العديد من الدول الأوروبية من وضعية شذوذ وترف حقوقي إلى حق تتم مأسسته وحمايته بل وتيسير مبتغاه كلما استدعت الضرورة الطبية ذلك.

بدأ الأمر مع حالات متفرقة من الشيخوخة والعجز المفرط المحايث لها. و بدأ مع مواطنين أوروبيين يعانون من وهن وانتكاسة صحية عميقة بفعل السن ونواميسه. حالات يعجز الطب فعلا في مواكبتها لضمان أدنى شروط العيش الكريم.
لكن أمر طلب الموت الرحيم بدأ يتشبب se rajeunit ودخل الشباب أيضا في قائمة من يطلب من الطب أن يضع حدا لحياته.
هنا أستحضر حالة نوليا كاستيو التي تعد أول مواطنة إسبانية “تستفيد” من حق الموت الرحيم في كل تاريخ إسبانيا.
نوليا شابة لم تتجاوز 25 ربيعا. لكنها تعرضت للاغتصاب والعنف الجنسي مرتين، في المرة الأولى كان اغتصابا جماعيا وحشيا من طرف “صديقها” وثلاث مهاجرين سريين. حادث أدخلها في إكتئاب حاد وحاولت الانتحار ثلاث مرات وأصيبت بارتجاج مخي وشلل نصفي لما ألقت بنفسها من الطابق الخامس في البناية التي تسكن فيها. دخلت نوليا في نفق طبي مسدود ولم تعد تنفع معها أية بروتوكولات طبية وتحولت لخطر حقيقي محذق ودائم على نفسها و على محيطها. تقدمت نوليا بطلب تمتيعها بحقها في الموت الرحيم حسب ما يسمح به القانون الإسباني الذي تم إقراره منذ 2023 وبعد تقارير طبية طويلة ومتشعبة أثبتت أخيرا عدم قدرتها نهائيا على الاستمرار في الحياة، تم إمداد نوليا بجرعة الموت لتخليصها من عبء الاستمرار في “العيش القسري”.

الموت الرحيم هو لما “ينتحرك” الطب بدل ان تقدم على ذلك بنفسك. الموت الرحيم هو إنهاء طبي أو حالة إعدام طبي لشخص جنايته الوحيدة هو أنه عجز عن الاستمرار في العيش طوعا. الموت الرحيم هو بيان حقيقة طبي يسمح لك بالمرور لضفة الموت لما عجز عن إبقاءك في مرسى الأحياء.

هل وضع الأوروبيون بقانون الموت الرحيم منفذا للتخلص ممن أصبح يشكل عبئا على منظومة الرعاية الصحية ؟ هل هو قانون يجسد آفة التيه الوجودي والميتافيزيقي لأناس فقدوا بوصلة الإيمان بالحياة والإيمان بأقدار الله سبحانه أولها الموت كقدر إلهي لا قوة إنسانية في التخطيط له سلفا؟ هل الموت الرحيم شقيق لتماوت الروح الأوروبية بفعل الفردانية القاسية والإلحاد المظلم وقساوة حياة مادية غير متضامنة إطلاقا جافة روحيا؟ ولماذا يتشبت غير الأوروبيين بالحياة بالرغم من قساوة ظروف عيشهم؟ ولم أجداد الأوروبيين وقت الحربين العالميتين كانوا أكثر تشبتا بالحياة من أسلافهم “التعساء” ؟ وهل من حق الطب أن يقتل؟ أليس من واجبه الوحيد هو الصراع مع الموت لإطالة أمد الحياة ما أمكن؟ لم يساعد الطب على الموت بدل العكس؟

هذه جملة أسئلة يطرحها منتقدو وأعداء الموت الإرادي والموت الرحيم. ويسائلون تغييب الرعاية والمواكبة الروحية والدينية والاجتماية لكل الراغبين في الانسحاب طوعا من الحياة. ويسائلون تفرد الطب لوحده في كذا قضايا وجودية مرتبطة بالحياة وبالموت. حيث الطب يقرر طبيا لكنه لا يفيض على هامش الحياة ليكون الحاسم الفيصل في استمرارها من عدمه.

لكن داعمي الحق في الموت الرحيم يعطون غلبة إرادة الشخص المعني بالأمر على تغليب رأي منظومة أخلاقية أو اجتماعية أو دينية ما، لأنه هو المعني الوحيد بالألم الصحي الذي يعانيه والمعني الوحيد بموته كخلاص حقيقي وحيد باقي من آلامه. داعمو الموت الرحيم يستندون ليس فقط لإرادة ذاتية لشخص ما في الموت وقتما شاء، بل يستندون لقرار إستحالة الطب تماما وقرار استفحال الألم تماما. ألم جسدي وروحي وجودي يقلص كل امكانيات العيش وهوامشه. الموت الرحيم عندهم تسريع فقط لوتيرة موت وشيك ذرءا لمزيد من الألم المجاني.

لكن الموضوع عندنا، وفي مجتمعنا المتدين، سيبقى حتما حبيس رفوف الطابو والممانعة لأن فكرة الحياة كما الموت خارجة عندنا وجوبا عن إطار الإرادية وداخلة عندنا حتما في إطار القدرية. لم نختر القدوم لهذه الحياة بموجب قرار ما حتى الأكثر عبقرية طبية، وذهابنا من الحياة مرهون بقدر الله الذي نزل ليس ليحبسنا في حياة لا نبغيها بل ليخلصنا من هول فكرة مرعبة مفادها أننا نستطيع الموت متى نشاء.

يونس وانعيمي

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *