شعبوية بنكيران تُغذي بروبغندا الجزائر

شعبوية بنكيران تُغذي بروبغندا الجزائر

- ‎فيرأي, واجهة
Capture decran 2026 02 27 015845

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

 

اوسار أحمد/

في الوقت الذي تصنع فيه الدول الجادة تاريخها وتثبت حضورها في القضايا المصيرية بأفعال ملموسة لا بشعارات جوفاء، اختار المغرب، عبر بوابة “مجلس السلام”، أن ينتقل في مقاربته للقضية الفلسطينية من خانة التضامن العاطفي إلى مربع الفعل الاستراتيجي. الكلمة التي ألقاها ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية، الأسبوع الماضي، لم تكن مجرد خطاب دبلوماسي عابر، بل كانت وثيقة عمل تعكس ثقل المملكة: إرسال قوات لحفظ الأمن، تدريب الشرطة الفلسطينية، بناء مستشفى ميداني، وإطلاق برنامج شجاع لمحاربة التطرف وخطاب الكراهية. إنها دبلوماسية “العمل على الأرض” التي تداوي الجراح وتبني المؤسسات.
لكن، وكما هي العادة في كل منعطف حاسم تتطلب فيه المصالح العليا للوطن جبهة داخلية متراصة، نُفاجأ بـ “نيران صديقة” تأتي من حيث لا يجب أن تأتي. فقد خرج علينا عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، بفيديو يقطر انتقاداً لوزير الخارجية وللمشروع المغربي برمته.
ولأن السياسة لا تعترف بالنوايا بل بالنتائج، فإن النتيجة المباشرة لـ “خرجة” بنكيران لم تكن نقاشاً داخلياً صحياً، بل تحولت إلى هدية مجانية على طبق من ذهب لخصوم المملكة. لم تتأخر صحيفة “الشروق” الجزائرية، التي تقتات يومياً على مهاجمة المغرب، في التقاط هذه الهدية. فقد خصصت صفحة كاملة لتحويل بنكيران إلى “بطل قومي” ومرجع يُستشهد به للطعن في النوايا المغربية، مسوقةً سردية بائسة مفادها أن التواجد المغربي في مجلس السلام لا يخدم مصلحة القضية الفلسطينية، وأن وزير الخارجية يغرد خارج السرب.
هنا، يطرح العقل السياسي البراغماتي سؤالاً حاداً وموجعاً: هل يدرك السيد بنكيران حجم الضرر الذي تلحقه تصريحاته بالموقف التفاوضي والدبلوماسي لبلاده؟ أن يمارس زعيم سياسي حقه في المعارضة، فهذا شأن ديمقراطي مطلوب. ولكن، أن تتحول تصريحات مسؤول دولة سابق إلى مادة دسمة، تُستغل كـ “بيدق” رخيص في آلة الدعاية الجزائرية المعادية لضرب مصالح المغرب، فهذا يتجاوز حدود المعارضة ليلامس العبث السياسي.
الصحافة الجزائرية لا تهمها فلسطين قدر ما يهمها إفشال أي دور مغربي ريادي في المنطقة. وحين تستخدم كلام بنكيران لترويج أن المغرب لا يفكر في مصلحة غزة، فهي تضرب عصفورين بحجر واحد: تشكك في التزام الدولة المغربية التاريخي تجاه فلسطين، وتظهر الجبهة الداخلية المغربية بمظهر المشتت.
إن المبادرة المغربية في غزة هي مشروع دولة، يهدف إلى حقن الدماء وبناء السلام ومحاربة التطرف الذي دمر مقدرات شعوب بأكملها. ومحاولة التشويش على هذا الدور، بمزايدات سياسوية ضيقة، لا تخدم سوى أطراف تتربص بالمملكة، وتجد في خطابات البعض ضالتها المنشودة.
لقد حان الوقت ليدرك من أدمنوا الميكروفونات أن القضايا السيادية والتدخلات الاستراتيجية للدولة في بؤر التوتر لا تحتمل المراهقة السياسية.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *