راديو إكسبرس
البث المباشر
اوسار احمد/
مرحباً بكم مجدداً في “أرشيف المجهول”، حيث نفتح الملفات التي أُغلقت على فراغ، ونقرأ السطور التي محاها الزمن. بعد أن غُصنا في حلقتنا السابقة مع سفينة الأشباح “ماري سيليست” في عرض المحيط، نعود اليوم أدراجنا إلى اليابسة، إلى أرض بكر غاباتها كثيفة وأسرارها أعمق. قضيتنا اليوم لا تتعلق باختفاء شخص واحد أو طاقم سفينة، بل باختفاء مدينة كاملة؛ رجال، ونساء، وأطفال، تبخروا في الهواء الطلق دون أن يتركوا خلفهم سوى كلمة واحدة محفورة على جذع شجرة. دعونا نعود بالزمن إلى أواخر القرن السادس عشر، لنقف على سواحل العالم الجديد، ونفتح ملف المستعمرة المفقودة “روانوك”.
في عام 1587، وتحت رعاية الملكة إليزابيث الأولى، أبحرت سفن إنجليزية تحمل على متنها مئة وخمسة عشر شخصاً بقيادة الحاكم جون وايت. لم يكونوا مجرد بحارة أو جنود، بل كانوا عائلات جاءت لتأسيس أول مستوطنة إنجليزية دائمة في أمريكا الشمالية، وتحديداً في جزيرة روانوك. في البداية، بدا الحلم قاب قوسين أو أدنى من التحقق، بل إن المستعمرة شهدت حدثاً تاريخياً بولادة “فيرجينيا دير”، حفيدة الحاكم جون وايت، لتكون أول طفل إنجليزي يولد في العالم الجديد. لكن هذا الأمل سرعان ما اصطدم بقسوة الواقع؛ فالمؤن بدأت تنفد، والعلاقات مع بعض قبائل السكان الأصليين توترت، وأمام خطر المجاعة واقتراب فصل الشتاء القارس، اضطر الحاكم جون وايت لاتخاذ قرار بائس. قرر العودة إلى إنجلترا لجلب الإمدادات، تاركاً خلفه عائلته ومستعمرته، واعداً إياهم بالعودة السريعة.
لكن الرياح لم تسر كما اشتهى وايت. فبمجرد وصوله إلى إنجلترا، وجد بلاده في حالة حرب طاحنة مع أسطول الأرمادا الإسباني، فأصدرت الملكة أمراً صارماً بمنع أي سفينة إنجليزية من مغادرة الموانئ. استغرق الأمر ثلاث سنوات كاملة من الانتظار والقلق قبل أن يتمكن وايت أخيراً من تأمين سفينة للعودة إلى روانوك في أغسطس من عام 1590.
وصل وايت إلى شواطئ الجزيرة في يوم ميلاد حفيدته الثالث، وكان قلبه يخفق بالأمل الممزوج بالخوف. لكن ما وجده هناك كان مشهداً يجمّد الدم في العروق. خيم صمت مرعب على المكان، لم يكن هناك أي إنسان؛ لا رجال، لا نساء، ولا أطفال. والأغرب من ذلك، لم تكن هناك أي آثار للعنف، لا جثث، ولا بقع دماء، ولا رماد حرائق يدل على هجوم أو مذبحة. حتى المنازل لم تكن مدمرة، بل تم تفكيكها بعناية فائقة، مما يدل على أن المغادرة لم تكن هروباً مذعوراً بل انسحاباً دُبر على مهل.
كان الاتفاق بين وايت والمستوطنين قبل مغادرته هو أن ينحتوا شعار صليب مالطي على شجرة إذا أُجبروا على المغادرة تحت التهديد أو الخطر. بحث وايت بلهفة عن ذلك الصليب، لكنه لم يجده، مما طمأنه قليلاً بأنهم لم يتعرضوا لهجوم. بدلاً من ذلك، وجد رسالة غامضة تركوها خلفهم؛ لقد نحتوا الأحرف الثلاثة (CRO) على جذع شجرة، وعلى عمود خشبي ضخم عند مدخل المستعمرة، نحتوا كلمة واحدة واضحة: “كرواتوان” (CROATOAN).
كانت “كرواتوان” تشير إلى جزيرة قريبة تُعرف اليوم بجزيرة هاتيراس، وكانت أيضاً موطناً لقبيلة من السكان الأصليين مسالمة وصديقة للإنجليز. فسر وايت هذه الرسالة على الفور بأن المستعمرين انتقلوا للعيش مع تلك القبيلة هرباً من الجوع القاتل. حاول وايت يائساً الإبحار نحو جزيرة كرواتوان للبحث عنهم، لكن الطبيعة وقفت ضده مجدداً، حيث ضربت عاصفة هوجاء سفينته وكادت أن تغرقها، ورفض طاقم السفينة المنهك إكمال البحث. أُجبر الحاكم على العودة إلى إنجلترا مكسور القلب، ليعيش بقية حياته دون أن يعرف مصير عائلته أو شعبه أبداً.
لأكثر من أربعمائة عام، تحولت “روانوك” إلى أسطورة شعبية أمريكية مخيفة، وتعددت النظريات حول مصير سكانها. افترض البعض أنهم قُتلوا على يد قبائل معادية أو أبادتهم أمراض العالم الجديد، لكن غياب الجثث والمقابر الجماعية أضعف هذه النظرية تماماً. واقترح آخرون أنهم يئسوا من الانتظار، فقاموا بتفكيك منازلهم لبناء قوارب صغيرة للعودة إلى إنجلترا، فابتلعهم المحيط. لكن العلم الحديث والتنقيبات الأثرية بدأت تميل إلى التفسير الأكثر منطقية وواقعية؛ وهو الاندماج.
تشير أحدث الاكتشافات الأثرية إلى أن المستوطنين لم يختفوا بفعل قوى خارقة أو مذبحة دموية، بل انقسموا إلى مجموعات صغيرة واندمجوا مع قبائل السكان الأصليين من أجل البقاء. فقد اكتشف العلماء مؤخراً، باستخدام الرادار الأرضي ورقعة مخفية في خريطة جون وايت القديمة، قطعاً من الفخار الإنجليزي العتيق، وأدوات كتابة معدنية، وحلقة نحاسية في قُرى أمريكية أصلية بعيدة عن روانوك تعود لنفس الحقبة. هذا يؤكد علمياً أن الإنجليز تفرقوا، وعاشوا، وتزاوجوا، وذابوا في مجتمعات السكان الأصليين ليتمكنوا من النجاة.
رغم أن العلم بدأ يفكك طلاسم هذا اللغز وينزع عنه عباءة الخوارق، إلا أن كلمة “كرواتوان” المحفورة على الشجرة لا تزال تثير رهبة كل من يقرأ عنها. إنها تمثل صرخة يائسة للبقاء، ورسالة تُركت في غابة موحشة، لتذكرنا بأن الطبيعة قادرة على تغيير مصير مجتمعات بأكملها، تاركة إيانا نبحث في التراب عن إجابات. وهكذا يُغلق ملف مستعمرة روانوك، ليظل واحداً من أقدم الألغاز التي سكنت ذاكرة العالم الجديد.
![]()





