راديو إكسبرس
البث المباشر
ياسين بالكجدي/
لم تكن شجرة اللوز في منطقة آيت اعتاب مجرد غرسة موسمية تزين السفوح وتعلن قدوم الربيع بزهورها البيضاء، بل كانت عنوانا لهوية فلاحية راسخة، ورمزا اقتصاديا واجتماعيا ارتبط باسم المنطقة لعقود طويلة. فقد تربع لوز آيت اعتاب البلدي على عرش أجود أنواع اللوز في المغرب، وشكل مصدر فخر لأبنائها وموردا أساسيا لعيش العديد من الأسر التي ارتبطت بالأرض ارتباط الجذور بالتربة. غير أن توالي سنوات الجفاف القاسية قلب المعادلة، وألقى بظلال ثقيلة على هذا الإرث الفلاحي، حتى باتت مساحات واسعة من البساتين أشبه بذاكرة حزينة لما كان ذات يوم مصدر حياة ورخاء.لقد قضت السنوات العجاف على أعداد كبيرة من أشجار اللوز، وأضعفت ما تبقى منها، في ظل ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الدعم التقني الموجه للفلاحين الصغار. ولم يعد الأمر مجرد تراجع في الإنتاج، بل أصبح تهديدا حقيقيا لاستمرار هذا الصنف البلدي الذي كان يمنح المنطقة خصوصيتها ويمنح فلاحيها قيمة مضافة في الأسواق. إن خسارة شجرة اللوز اليوم ليست خسارة محصول فحسب، بل هي خسارة جزء من الذاكرة الجماعية ومن الاقتصاد المحلي الذي كان يعتمد عليها في دورته السنوية.أمام هذا الواقع المقلق، تبرز الحاجة الملحة إلى تحرك جماعي مسؤول يعيد الاعتبار لشجرة اللوز ويضعها في صلب أولويات التنمية المحلية. فالتجارب الناجحة في بعض مناطق المغرب، مثل تافوغالت وبركان، تؤكد أن الإرادة الجماعية حين تتجسد في إطار جمعيات وتنظيمات مهنية قادرة على التأطير والتكوين وجلب الدعم، يمكن أن تصنع الفارق وتعيد الحياة إلى سلاسل إنتاج كادت أن تندثر. إن تأسيس جمعيات تنموية متخصصة في النهوض بشجرة اللوز بآيت اعتاب، والعمل على إدماجها ضمن برامج التشجير والتثمين الفلاحي، أصبح ضرورة لا خيارا.كما أن الأمر يتطلب تضافر جهود المنتخبين والسلطات المحلية والمصالح الفلاحية، إلى جانب أبناء المنطقة داخلها وخارجها، من أجل بلورة رؤية واضحة تعيد الاعتبار لهذا القطاع، سواء عبر تشجيع غرس أصناف مقاومة للجفاف، أو اعتماد تقنيات السقي المقتصد للماء، أو توفير مواكبة تقنية حقيقية للفلاحين. فالتحدي اليوم ليس فقط في تعويض ما ضاع، بل في بناء نموذج أكثر صمودا في وجه التغيرات المناخية التي باتت واقعا لا يمكن تجاهله.إن آيت اعتاب التي عرفت بلوزها البلدي قادرة على استعادة مكانتها إذا ما توحدت الجهود وتوفرت الإرادة. فالأرض ما زالت خصبة بالعزيمة، وأبناؤها ما زالوا يحملون في قلوبهم غيرة صادقة على هذه البلدة العزيزة. المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق الأسف على ما فات إلى منطق الفعل من أجل ما هو آت، حتى تعود أزهار اللوز لتلون سفوح المنطقة من جديد، ويعود معها الأمل في غد فلاحي أفضل يليق بتاريخ آيت اعتاب ومكانتها.
![]()






