الصحافة المغربية تُسقِط أقنعة جيراندو: حين يتحول التضليل إلى مادة للسخرية والفضح

الصحافة المغربية تُسقِط أقنعة جيراندو: حين يتحول التضليل إلى مادة للسخرية والفضح

- ‎فيواجهة, شن طن
IMG 20260201 WA0001

راديو إكسبرس

البث المباشر

لم تعد خرجات هشام جيراندو تثير الجدل بقدر ما أصبحت تثير الشفقة المهنية. فالرجل الذي حاول طويلاً تسويق نفسه كـ“صوت معارض” سقط اليوم في امتحان المصداقية سقوطاً مدوّياً، بعد أن تحوّل من صانع ادعاءات إلى مادة دسمة للصحافة المغربية، التي لم تكتفِ بتكذيب رواياته، بل فتحت ورشة تفكيك علنية لأساليبه، كاشفة خواء خطابه، ورداءة أدواته، وخطورة ما يروّجه.

القصة لم تبدأ اليوم، لكنها بلغت ذروتها حين نشر جيراندو صوراً زعم أنها توثّق كتابات حائطية حديثة معادية للنظام المغربي، محاولاً الإيحاء بوجود “غليان شعبي” واحتجاجات صامتة في الشارع. غير أن هذه المحاولة سرعان ما انقلبت عليه، بعدما كشفت جريدة إكسبريس تيفي، عبر فريقها المتخصص في مكافحة الأخبار الزائفة، أن الصور لا تمتّ للحاضر بصلة، وأنها تعود إلى سنة 2012، وكانت منشورة منذ أكثر من 13 عاماً على موقع إلكتروني مغربي، وجرى حينها فتح تحقيق رسمي وتوقيف المتورطين.

لم يكن الأمر مجرد سبق صحفي، بل فضيحة مكتملة الأركان. فاستعمال صور قديمة، أُغلِق ملفها منذ سنوات، لتغذية سردية احتجاج وهمية، لا يمكن تصنيفه في خانة “الخطأ” أو “سوء التقدير”، بل يدخل مباشرة في باب التضليل المتعمّد ومحاولة النفخ في نار الفتنة. هنا، سقط القناع نهائياً، وظهر جيراندو كما هو: شخص يعيد تدوير أكاذيب بالية، ظناً منه أن الذاكرة الجماعية قصيرة، وأن الفضاء الرقمي بلا حراس.

ولم تتوقف سلسلة السقوط عند هذا الحد. فقد كشفت جريدة المحرر واقعة أكثر إحراجاً، حين نشر جيراندو مقطع فيديو ادعى أنه صُوِّر بضواحي “أولاد برجل” بالقنيطرة، ويوثق – حسب زعمه – لشحنة مشبوهة مرتبطة بشخص سماه “نبيل الرهيب”. دقائق فقط كانت كافية لينكشف المستور. التحقيقات التقنية أثبتت أن الفيديو لا علاقة له بالمغرب، وأنه يعود لحادث وقع بتاريخ 24 يناير 2026 فوق مياه نهر الوادي الكبير قرب منطقة أزنالقزار بإقليم إشبيلية الإسباني.

هنا، لم يجد جيراندو ما يفعله سوى حذف الفيديو على عجل، في محاولة يائسة لمحو أثر الجريمة الرقمية. لكن الحذف، كما قالت الصحيفة، لم يكن إنقاذاً، بل إدانة إضافية. فمن يدّعي امتلاك “مصادر موثوقة” لا يخلط بين القنيطرة وإشبيلية، ولا يستورد حوادث من الضفة الأخرى للمتوسط ويلصقها بالجغرافيا المغربية، إلا إذا كانت تلك “المصادر” مجرد حسابات وهمية ومواد مسروقة من أرشيف الإنترنت.

كواليس اليوم ذهبت أبعد من ذلك، ووصفت ما قام به جيراندو بـ“التزوير البصري الفج”، معتبرة أن الرجل انتقل من الكذب اللفظي إلى السطو الممنهج على المحتوى الأجنبي، في محاولة بائسة لإبقاء عدّاد “البوز” في حالة اشتغال. الصحيفة لم تتعامل معه كـ“معارض”، بل وضعته في خانة “المزوّرين”، مؤكدة أن حذف الفيديو بعد افتضاحه ليس تراجعاً أخلاقياً، بل اعترافاً ضمنياً بالجريمة في حق الحقيقة وفي حق الرأي العام.

ما يجمع بين هذه الوقائع ليس فقط الكذب، بل نمط اشتغال كامل قائم على القصّ واللصق، واستيراد الصور والفيديوهات، وإعادة تركيبها في سرديات مضللة، هدفها الوحيد رفع المشاهدات، وجلب التمويل، والاتجار في القلق والخوف. إنه إفلاس مهني وأخلاقي مكتمل، جعل من جيراندو نموذجاً لما يمكن أن تفعله الرداءة حين تتخفى في ثوب “النضال”.

وفي خضم هذا السقوط المتتالي، برز دور الصحافة المهنية في المواجهة. فالصحفية نجيبة جلال، مديرة نشر مؤسسة إكسبريس تيفي، خصصت حلقات متتالية من برنامجها “شن طن” لتشريح طريقة اشتغال جيراندو، كاشفة بسخرية لاذعة غباءه المهني، ومفجّرة ملفات أظهرت كيف تُصنع رواياته، وكيف يتم تضخيم الأكاذيب وتسويقها كـ“حقائق صادمة”. لم يكن ذلك تشهيراً، بل عملاً صحفياً دفاعياً، وضع النقاط على الحروف، وذكّر بأن حرية التعبير لا تعني حرية الكذب.

اليوم، لم يعد السؤال: ماذا ينشر جيراندو؟ بل: لماذا ما زال هناك من يصدّقه؟ فالوعي المغربي، كما أكدت أكثر من جريدة، بات الحائط الصلب الذي تتحطم عليه هذه الخرافات الرقمية. كل صورة مفبركة، كل فيديو مسروق، وكل ادعاء بلا سند، يتحول بسرعة إلى دليل إدانة جديد، يُضاف إلى سجل أسود يتضخم مع كل خرجة.

هكذا، لم تكتفِ الصحافة المغربية بفضح هشام جيراندو، بل حوّلته إلى مثال يُدرّس في كيفية السقوط من وهم التأثير إلى قاع السخرية العامة. سقط لأنه راهن على النسيان، وعلى البلادة، وعلى الخلط بين المعارضة والكذب. والنتيجة واضحة: خيبة متجددة، وفضائح متراكمة، وصورة شخص لم يعد يُنظر إليه إلا كصانع أوهام فاشلة، باع الوهم… فانكشف.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *