الإعلام المغربي فشل استراتيجي

الإعلام المغربي فشل استراتيجي

- ‎فيرأي, واجهة
Capture decran 2026 01 14 133958

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

اوسار أحمد/

ليس ترفًا أن يُنظر إلى الإعلام باعتباره جزءًا من منظومة الأمن القومي، بل هو توصيف دقيق لطبيعة الصراع في عالم لم تعد فيه الحدود تُخترق بالدبابات وحدها، بل بالكلمة، والصورة، والسردية. اليوم، تُخاض المعارك الكبرى في الفضاء الرمزي قبل أن تصل إلى الأرض، ومن لا يمتلك إعلامًا قويًا، واعيًا بدوره، يجد نفسه مكشوفًا، حتى وإن امتلك مؤسسات أمنية وعسكرية محترفة.

الإعلام، في جوهره، ليس مجرد ناقل للأخبار، بل أداة لتشكيل الوعي العام، داخليًا وخارجيًا. هو الذي يشرح اختيارات الدولة، يدافع عن سيادتها، ويؤطر النقاش العمومي حول قضاياها المصيرية. الدول التي فهمت هذا المعطى مبكرًا استثمرت في إعلام استراتيجي، يشتغل بعقل الدولة لا بردّ الفعل، ويُسوّق فلسفتها ورؤيتها للعالم بلغة يفهمها الآخرون، دون توتر أو خطاب دعائي فج. الإعلام هنا لا يختلق الوقائع، بل يقدّمها ضمن سردية متماسكة تخدم المصلحة الوطنية.

في السياق المغربي، ورغم تراكم التجربة الإعلامية وتطور البنية التقنية، ما زال سؤال التأثير الإقليمي والقاري مطروحًا بإلحاح. لماذا لا يمتلك المغرب مؤسسات إعلامية وازنة تُسمع صوته في إفريقيا والعالم العربي والمتوسطي؟ الجواب، بصراحة، لا يرتبط بغياب الكفاءات ولا بضعف الإمكانيات، بل بغياب تصور استراتيجي واضح للإعلام كقوة ناعمة. الإعلام المغربي، في جزء كبير منه، ظل حبيس النقاش الداخلي، موجّهًا للاستهلاك المحلي، وغير مهيأ لمخاطبة الخارج بلغاته ورهاناته.

المفارقة أن المغرب يمتلك قصة دولة غنية: نموذج سياسي ديموقراطي، حضور إفريقي متنامٍ، دبلوماسية اقتصادية نشطة، تطور تنموي كبير، واجهة سياحية واعدة، وتجربة أمنية نموذجية ومثالية في محيط اقليمي مضطرب. لكن هذه القصة لا تُروى كما يجب، ولا تُترجم إلى محتوى إعلامي عابر للحدود، قادر على المنافسة والتأثير. في المقابل، دول أقل وزنًا سياسيًا واستراتيجيًا نجحت في فرض سرديتها فقط لأنها استثمرت في إعلام خارجي قوي، مهني، ومستقل شكليًا لكنه منسجم مع اختيارات دولته الكبرى.

الإعلام الذي يخدم الأمن القومي لا يعني إعلامًا مروّضًا أو فاقدًا للمصداقية، بل إعلامًا ذكيًا يعرف أين يقف، ومتى ينتقد، وكيف يختلف دون أن يهدم الأساس. هو إعلام يدرك أن الدفاع عن مصالح الدولة لا يتناقض مع المهنية، بل يتطلبها. لأن المصداقية، في النهاية، هي السلاح الأهم في معركة الوعي.

إذا أراد المغرب أن يحصّن موقعه إقليميًا وقاريًا، فعليه أن يعيد النظر في موقع الإعلام داخل هندسة الدولة. ليس كقطاع هامشي أو عبء سياسي، بل كرافعة استراتيجية للأمن القومي، وكأداة لتثبيت النفوذ، وبناء الصورة، والدفاع عن المصالح في عالم لا يرحم من يترك قصته تُروى بلسان غيره.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *