راديو إكسبرس
البث المباشر
لم تعد مواقف عبد الله البقالي الأخيرة قابلة للقراءة باعتبارها مجرد آراء فردية أو خرجات إعلامية عابرة. ما يتكشف اليوم هو مسار متكامل من السلوك والخطاب، يطرح أسئلة جوهرية حول حدود المسؤولية، ومعنى الالتزام، ومخاطر تحويل المواقع الاعتبارية إلى أدوات للتموقع السياسي.
البداية كانت داخل اللجنة المؤقتة، حيث اختار البقالي كسر أحد أهم الأعراف المؤطرة للعمل المؤسساتي، وهو واجب التحفظ. فبدل احترام منطق التداول الداخلي، لجأ إلى تسريب معطيات ونقاشات يفترض أنها محمية بثقة جماعية و مواد دستورية. هذا السلوك لا يمكن فهمه كاختلاف في التقدير، بل كخروج واع عن منطق العمل المشترك، واستثمار سياسي لموقع كان يفترض أن يظل محايداً وخادماً للصالح العام المهني.
غير أن المنعطف الأخطر جاء مع خروجه في بودكاسته العجيب ، حيث أدلى بتصريح شديد الحساسية بخصوص القضية الوطنية. فقد اعتبر أن الشعبين المغربي والجزائري لا علاقة لهما بما وصفه بالنزاعات المفتعلة بين البلدين، وعلى رأسها قضية الصحراء وإغلاق الحدود، محصراً الأمر في دوائر سياسية وعسكرية.
هذا الطرح، في مضمونه العميق، لا يقل خطورة عن أي تشكيك مباشر في الإجماع الوطني. فهو ينزع عن قضية الصحراء بعدها الشعبي، ويختزلها في نزاع نخبوي معزول عن وجدان المغاربة، وكأن عقوداً من التعبئة الوطنية، والمسيرات الشعبية، والالتفاف الجماعي حول الوحدة الترابية، لم تكن سوى مشهد جانبي بلا معنى سياسي.
والواقع أن هذا الموقف لا يبدو مفاجئاً عند ربطه بالخلفية المعرفية لصاحبه. فعبد الله البقالي لا يتوفر على تكوين أكاديمي يؤهله للخوض في قضايا سيادية معقدة، تتطلب إلماماً عميقاً بالتاريخ السياسي، والقانون الدولي، وبنية الصراعات الإقليمية. أما ما يُقدَّم أحياناً كتجربة تكوينية خارج المغرب، و هو ديبلوم تونس , فقد ظل في حدود تأهيل مهني محدود، تم في سياق محاباة سياسية معروفة، ولا يرقى إلى مستوى التكوين الجامعي أو حتى التكوين المهني الصارم في المغرب. وهو ما يعادل التأهيل المهني المتواضع، الذي لا يمكنه إلا أن ينتج قراءات سطحية لقضايا تتطلب أدوات تحليل مركبة.
من هنا يمكن فهم كيف يتم إقصاء الشعب المغربي من معادلة الصراع، وكيف تُختزل القضية الوطنية في ملف بين مؤسسات، لا في قضية سيادة وهوية وذاكرة جماعية. الإشكال هنا ليس في حق الاختلاف، بل في أهلية الرأي، وفي حدود ما يمكن قوله حين يغيب الأساس المعرفي الصلب.
هذا الخطاب يتقاطع أيضا، في توقيته وسياقه، مع معطيات متداولة داخل الأوساط الحزبية، تشير إلى استعداد عبد الله البقالي لخوض غمار الترشح البرلماني بإقليم العرائش، مع وعود من حزبه بفتح أبواب المسؤولية الحكومية. والعرائش، كما هو معلوم، ليست دائرة انتخابية عادية، بل فضاء رمزي وتاريخي داخل حزب الاستقلال، ارتبط بأسماء وازنة وبصراعات نفوذ معقدة.
في هذا الإطار، يبدو أن ملفات عقارية وقضائية في منطقة مولاي عبد السلام بن مشيش، تتعلق بأراضٍ شاسعة تفوق مساحتها ألف هكتار، انتهت بعض فصولها بأحكام قضائية غير مواتية لأطراف نافذة داخل الحزب. كما يُتداول أن إعادة ترتيب موازين القوى في الإقليم تمر عبر كسب دعم عائلات تاريخية ذات امتداد اجتماعي وتنظيمي عميق، شكلت لعقود ركيزة أساسية في الخريطة الانتخابية والسياسية للمنطقة.
ضمن هذه المعادلة، يُقدَّم عبد الله البقالي باعتباره ورقة قادرة على تجميع هذه الشبكات، وقطع الطريق على منافسين محتملين، بعضهم غادر أحزاباً كبرى بعد صدامات سياسية وقضائية معقدة.
غير أن جوهر الإشكال لا يكمن في الطموح السياسي، فذلك حق مشروع في أي نظام ديمقراطي، بل في الكيفية. حين يتحول خرق واجب التحفظ إلى وسيلة، وحين تُستعمل القضايا السيادية بلغة التخفيف أو النزع الرمزي، فإن الأمر لا يعود شأناً شخصياً، بل يصبح مسألة تتعلق بالمسؤولية الوطنية. و لعل الأهلية الأكاديمية هي موضوع يجب إعادة طرحه اليوم قبل تقديم الترشيحات لتمثيلية المجلس الوطني للصحافة.
القضية الوطنية ليست موضوعاً للنقاش العابر، ولا مادة للاستهلاك الإعلامي، ولا ورقة تفاوض في سوق الترشيحات. إنها ركيزة من ركائز الإجماع الوطني، وأي اقتراب منها يفرض قدراً عالياً من المعرفة، والانضباط، والإحساس بثقل الكلمة. فالتاريخ السياسي قد يتسامح مع الأخطاء، لكنه نادراً ما ينسى من يخلط بين الثابت الوطني والحسابات الظرفية.
![]()




