راديو إكسبرس
البث المباشر
لم يكن قرار الولايات المتحدة الانسحاب أو تعليق الدعم عن ست وستين هيئة ومنظمة دولية خطوة إدارية عابرة، ولا تعبيرًا عن مزاج سياسي ظرفي، ما حدث هو إعلان صريح عن نهاية مرحلة كاملة من العلاقات الدولية، وبداية أخرى أكثر صراحة وأقل نفاقًا. مرحلة تقول فيها الدول القوية ما كانت تخفيه طويلًا: حين يتعارض الأمن القومي مع التعددية، تُقدَّم الدولة بلا تردد.
التدقيق في لائحة الهيئات التي انسحبت منها واشنطن يكشف أن الأمر لا يتعلق بمنظمات هامشية، بل ببنية كاملة تنتج الخطاب، وتؤطر القيم، وتصوغ المعايير، ثم تحوّلها إلى أدوات ضغط سياسي وقانوني. مكاتب معنية بالسكان، والجندر، والأطفال، والعنف، والهجرة، والمناخ، والديمقراطية، وبناء السلام. عناوين إنسانية في ظاهرها، لكنها في العمق آليات تصنيف، وتقييم، وترتيب، وتشهير، تُستعمل لاحقًا في تقييد القرار السيادي للدول.
أدركت واشنطن أن هذه الأجهزة لم تعد محايدة، وأنها تحولت إلى ما يشبه دولة عميقة أممية، لها لغتها الخاصة، وشبكاتها، وأجنداتها، وتعمل أحيانًا خارج منطق التوازنات الدولية، بل في تعارض مباشر مع مصالح الدول التي تمولها. السؤال الذي طرحته الإدارة الأميركية كان بسيطًا وقاسيًا في آن واحد: لماذا نمول مؤسسات قد تُستخدم ضدنا؟
الأمر نفسه ينطبق على الانسحاب من لجنة القانون الدولي، والآلية المتبقية للمحاكم الجنائية، وسجل الأسلحة التقليدية. هنا لا نتحدث عن قانون مجرد، بل عن مسارات قانونية تُراكم سوابق، وتفتح أبواب محاسبة انتقائية، وتضيّق هامش المناورة الاستراتيجية للدول الكبرى في ملفات الأمن والدفاع والتدخلات الخارجية. حين يتحول القانون الدولي إلى أداة صراع، تفقد العدالة حيادها، وتصبح جزءًا من ميزان القوة.
أما الهيئات المرتبطة بالمناخ والطاقة والمياه والمحيطات، فقراءتها جيوسياسية بامتياز. هذه لم تعد منصات بيئية فقط، بل بوابات لإعادة هندسة الاقتصاد العالمي، وفرض قيود إنتاج، وشروط تمويل، ومعايير استثمار، تُكبّل بعض الدول وتمنح أفضلية تنافسية لقوى أخرى صاعدة. في نظر واشنطن، معركة المناخ لم تعد بريئة بالكامل، بل صارت ساحة صراع مقنّعة على النفوذ والأسواق.

وفي المقابل، لم تنسحب الولايات المتحدة من الهيئات التي تُحدد قواعد اللعبة التقنية والمعيارية، مثل الاتصالات والملاحة والعمل. هناك حيث تُكتب لغة المستقبل، وحيث التنافس مع الصين مباشر، اختارت البقاء وتعزيز الحضور. الرسالة واضحة: التخلي عن الخطاب، والتمسك بالمعايير التي تصنع القوة.
بهذا المعنى، لم تنسحب واشنطن من العالم، بل انسحبت من وهم الحياد الأممي، ومن تعددية تحولت، في نظرها، إلى عبء استراتيجي.
وحين نُسقط هذا التحول على المغرب، تتضح الصورة أكثر. المغرب، خلال السنوات الأخيرة، وجد نفسه في مواجهة تقارير، ومذكرات، ومنصات دولية تتحدث باسمه، وتقيّمه، وتمنحه صكوك رضى أو إدانة، أحيانًا دون فهم لتعقيداته الأمنية، ولا لخصوصياته التاريخية، ولا لمعركة وحدته الترابية.
في ملفات الصحراء، والهجرة، والإرهاب، والأمن، والحقوق، اكتشف المغرب أن بعض الفضاءات الدولية لم تعد ساحات تعاون، بل ميادين ضغط. وأن الدفاع عن الدولة لا يكون دائمًا بالانسحاب الصاخب، بل أحيانًا بإعادة رسم الخطوط الحمراء، وبالتمسك بالسيادة، وبالتمييز الصارم بين الشراكة والتدخل.
الدرس الذي يفرض نفسه اليوم بسيط في صياغته، ثقيل في معناه: لا ديمقراطية بلا دولة، ولا حقوق بلا استقرار، ولا تنمية في ظل هشاشة أمنية تُدار من الخارج. حين تصل الدول إلى لحظة تهديد مركزي، تسقط كل العناوين الثانوية، ويعود الأساس إلى الواجهة.
ما فعلته الولايات المتحدة اليوم ببراغماتية فجّة ومعلنة، فعله المغرب منذ سنوات بهدوء ومسؤولية. تقديم الأمن القومي على كل شيء، لا باعتباره نقيضًا للحقوق، بل شرطها الأول. ففي عالم يتفكك، وتعود فيه السياسة إلى منطق القوة، لا تبقى الدول التي تُتقن لغة البيانات، بل تلك التي تعرف متى تقول: هنا تتوقف التعددية… وتبدأ الدولة.
![]()



