جيمس أ. جولدستون : مدّع عموم سابق لدى المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الفيدرالية في الولايات المتحدة، هو المدير التنفيذي لمبادرة العدالة في المجتمع المفتوح وأستاذ القانون المساعد في كلية الحقوق في جامعة نيويورك.
مع استمرار تراكم العواقب المأساوية المترتبة على حرب الاختيار التي يخوضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في إيران، تتردد أصداء صرخة يائسة: هل نشهد الآن “موت القانون الدولي؟” إنه سؤال معقول. لكن سؤالا أكثر أهمية يطرح نفسه: هل يمكننا استغلال هذه الأزمة لإعادة تصور نظام قانوني دولي يخدم مصالح عدد أكبر من الناس؟
من المؤكد أن أفعالا مثل غزو روسيا لأوكرانيا في عام 2022 وأعمال أميركا العدوانية ضد فنزويلا وإيران تشكل لحظة تَعِسة لـ “النظام القائم على القواعد” ــ شبكة الاتفاقيات، والمعاهدات، وغير ذلك من المعايير القانونية التي صيغت لتنظيم سلوك الدول منذ الحرب العالمية الثانية. الأمر الأكثر دلالة هنا كان الرضوخ المستسلم الذي استجاب به الأنصار الذين طالما دافعوا عن القانون الدولي. في الشهر الماضي، مع بدء الضربات العسكرية الأميركية-الإسرائيلية غير القانونية في طهران، عَـبَّر المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن مشاعر كثيرين عندما أعلن: “إن تصنيف الأحداث بموجب القانون الدولي سيكون له تأثير ضئيل نسبيا. ويصدق هذا بشكل خاص عندما تظل هذه التصنيفات عديمة الأثر قانونا”.
هذه النزعة الجبرية لها ما يبررها. الواقع أن انتهاكات سيادة الدول اليوم تبرز بسبب حجمها وتواترها. لقد تخلّى القادة السياسيون حتى عن التظاهر باحترام ما يسميه ستيفن ميلر، أحد كبار مستشاري ترمب، على نحو لا يخلو من الازدراء، “الشكليات الدولية“. إن عالَم ميلر عالم “تحكمه القوة، التي يحكمها العنف، الذي تحكمه السلطة”. والانتهاك المتكرر لخطوط حمراء سابقة ــ تهديد أعضاء حلف الناتو الآخرين والدعوة إلى التطهير العرقي في غزة ــ يجعل في حكم الممكن ما كان ذات يوم لا يمكن تصوره.
حتى في السنوات التي أعقبت مباشرة تجريم الحرب العدوانية في عام 1945 بموجب ميثاق الأمم المتحدة، نادرا ما كان للقانون الدولي وزن سياسي كبير بين أولئك الذين كان بوسعهم تجاهله. كان منتصف القرن العشرين عامرا بالانتهاكات من جانب قوى عظمى، من الغزو السوفيتي للمجر عام 1956 وتشيكوسلوفاكيا عام 1968 إلى الانقلابات التي رعتها الولايات المتحدة في إيران عام 1953، وجواتيمالا عام 1954، وشيلي عام 1973. عكست هذه الانتهاكات الأولوية التي أُعطيت للأمن القومي والهيمنة الإقليمية على المبادئ القانونية. في أوج حرب فيتنام، أعرب الرئيس الأميركي ليندون جونسون عن مشاعر التفوق بمقولته الشهيرة: “نحن الدولة رقم واحد. وسوف نظل الدولة رقم واحد”.
ولم تكن حال المعايير الدولية أفضل كثيرا بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001. فكما لاحظ جراهام أليسون من كلية كينيدي بجامعة هارفارد قبل ما يقرب من عقد من الزمن، “في السنوات السبع عشرة الأولى من هذا القرن، غزت الدولة التي نصبّت نفسها زعيمة للنظام الليبرالي بلدين، وشنت ضربات جوية وغارات نفذتها قوات خاصة لقتل مئات الأشخاص الذين اعتبرتهم من جانب واحد إرهابيين، وأخضعت عشرات آخرين لما يسمى “التسليم الاستثنائي”، غالبا دون أي سلطة قانونية دولية”. وخلص أليسون إلى أن هذا السجل “يتحدث عن نفسه”.
لكن هذا لا يعني أن القانون الدولي عديم القيمة. فكثير من القواعد ــ التي تحكم التجارة، وصيد الأسماك، والبيئة، والجريمة المنظمة ــ تُطاع في معظم الأحيان، وذلك على وجه التحديد لأن القدرة على التنبؤ وحل النزاعات سلميا غالبا ما تخدم مصالح الدول. كما نجح بروتوكول مونتريال، الذي اعتُمِد في عام 1987، في التخلص التدريجي من 98% من المواد المستنفِدة لطبقة الأوزون في الغلاف الجوي للأرض، فأنقذ ذلك الملايين من الإصابة بسرطان الجلد. وللأسباب ذاتها، لا تغزو معظم الدول بعضها بعضا. ذلك أن قيامك بذلك يدعو آخرين إلى فعل الشيء ذاته بك.
الأمر المختلف اليوم يتمثل في التحدي الصريح والفخور لضبط النفس. في ولاية ترمب الأولى، كان من الواضح بالفعل أن سياسته الخارجية “تحددها العداوة لمشروع القانون الدولي برمته”، على حد تعبير الباحثة القانونية مونيكا حكيمي. لكن هذه المرة، صرح الرئيس بوضوح: “لست بحاجة إلى القانون الدولي”.
استفز ازدراء إدارة ترمب للمعايير الأساسية قدرا عظيما من القلق. لكن هذا الازدراء يجب أن يعمل عمل ناقوس الخطر لأولئك الذين يشعرون بالقلق إزاء عالم بلا قواعد. دأبت الأمم المتحدة على التحذير من أن غياب القانون الدولي، “قد يعني الفوضى”. والآن وقد عرفنا كيف قد يبدو ذلك، لدينا الفرصة لبناء قاعدة أوسع لما كان لفترة طويلة حكرا على نخبة مهنية وأكاديمية ضيقة.
بإقحام منطقة الشرق الأوسط الأوسع في حرب، وتدمير التحالفات، ونثر بذور انعدام اليقين الاقتصادي، ذكّرنا ترمب دون قصد بالسبب الذي جعلنا نحتاج إلى القانون الدولي في المقام الأول. لم تتشكل مفاهيم مثل “العدوان” الدولي، و”الجرائم ضد الإنسانية”، و”الإبادة الجماعية” كَـبُنى نظرية، بل كأدوات عملية للتصدي لفظائع حقيقية كان العالم يأمل ألا تحدث “مرة أخرى أبدا”.
ولكن إذا كان للقانون الدولي أن يكتسب مزيدا من المصداقية، فيجب على المحامين والدبلوماسيين الذين يضعونه ويستخدمونه أن يبذلوا قدرا أعظم من الجهد لإظهار كيف يساعد القانون الناس العاديين، سواء في تنظيم النزاعات المسلحة أو إدارة الطيران المدني. ونظرا للهجوم الأميركي الحالي على المشروع الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لمدة 80 عاما، فقد يكون الإصلاحيون خارج الولايات المتحدة في وضع أفضل لقيادة هذا الجهد.
هذا ليس تحديا هينا. سوف نحتاج إلى عمليات إنفاذ أكثر اتساقا للقواعد القانونية، ووضع حد للمعايير المزدوجة التي تعفي قوى فاعلة مميزة، وإعادة الالتزام من جانب الدول بقانون يحكم الجميع، وليس القلة. ينبغي لنا أيضا أن نعمل على جعل المحاكم الدولية البعيدة أقرب إلى الضحايا والناجين الذين تخدمهم، وجعل السلك القانوني الدولي أكثر تنوعا وتمثيلا للعالم، وتحسين التواصل مع الجمهور، بما في ذلك من خلال إجراء محاكمات دولية في الموقع بمشاركة واسعة.
إنه لتطور شاذ، وإن كان موضع ترحيب، أن يتحول التذمر الحالي بشأن مصير النظام القائم على القواعد إلى دافع للتجديد وإعادة الصياغة. قد لا يحتاج ترمب إلى القانون الدولي، ولكن قد يتبين لنا أن القانون الدولي كان في احتياج إلى أفعال ترمب.
ترجمة: مايسة كامل Translated by: Maysa Kamel
![]()





















