استراتيجية التصعيد الإيرانية: كلفة مرتفعة ونتائج عكسية

استراتيجية التصعيد الإيرانية: كلفة مرتفعة ونتائج عكسية

- ‎فيمقالات رأي دولية, واجهة
استراتيجية ايران
Stylish Audio Player

راديو إكسبرس

البث المباشر

الدكتور محمد إبراهيم الظاهري : نائب مدير عام أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية

لا تُخاض الحروب في ساحات القتال وحدها، بل أيضا في ميدان حسابات الكلفة وتشكيل التصورات العامة، وقد يلجأ طرف ما إلى تصعيد النزاع على أمل انتزاع تنازلات أو فرض وقف سريع لإطلاق النار، ويبدو أن هذا هو النهج الذي تتبعه إيران في حربها الراهنة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ومنطقة الخليج بشكل عام، إذ تسعى، من خلال توسيع نطاق المواجهة وتهديد الشرايين الاقتصادية لدول الخليج، إلى رفع كلفة استمرار الحرب على خصومها.

غير أن هذا النهج قد ينقلب عليها، فمن خلال فرض إيران لهذا القدر من الضغوط الاقتصادية والأمنية على المنطقة، فإنها تضاعف في الوقت نفسه كلفها طويلة الأمد، حيث تبنت استراتيجية ستتجاوز تداعياتها حدود الحرب الحالية، لتؤثر سلبا في تعافيها الاقتصادي، وعلاقاتها الإقليمية، ومكانتها الدبلوماسية لسنوات قادمة.

وتتضاعف تداعيات هذا النهج بالنظر إلى أن إيران كانت تنطلق بالفعل من قاعدة اقتصادية هشة، فبسبب برنامجها النووي، عانى اقتصادها طويلا من وطأة العقوبات الدولية التي قيدت صادراتها النفطية، وعرقلت تعاملاتها المالية، وعزلتها عن الأسواق العالمية والاستثمارات، ومع تجدد العقوبات في أواخر عام 2025، تراجع سعر الريال الإيراني إلى نحو 1.2 مليون مقابل الدولار الأمريكي، وهو من أدنى مستوياته في تاريخ البلاد الحديث، ومع تجاوز معدلات التضخم 40%، يتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 2.8% في عام 2026 إذا استمرت الضغوط الحالية.

وفي هذا السياق، أظهرت الاحتجاجات الواسعة في يناير أن الإيرانيين سئموا اقتصادا لا يحقق نموا يذكر، كما أن استجابة النظام للحرب ستزيد من الضغوط على مستويات المعيشة، وكلما طال أمد النزاع، تضاءلت فرص تخفيف العقوبات، وتعافي الاقتصاد، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية اللازمة لتحديث البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.

وبالنسبة لدولة ذات تعداد سكاني شاب واحتياجات تنموية ملحة، فإن كلفة الفرص الضائعة نتيجة العزلة الممتدة ستكون باهظة،  فضلا عن ذلك، ستولد الحروب أعباء اقتصادية إضافية؛ إذ تؤدي المواجهات العسكرية إلى تعطيل سلاسل الإمداد، وإلحاق الضرر بالبنية التحتية، وتحويل الموارد العامة بعيدا عن الأولويات الاجتماعية والاقتصادية، وتظهر الضربات الأمريكية الأخيرة على منشآت عسكرية في جزيرة خرج، التي تصدر منها إيران نحو 90% من نفطها، مدى سرعة فقدان أحد أهم شرايينها الاقتصادية.

وعلاوة على ذلك، فإن اقتصادا يعاني أصلا من دورات متكررة من التضخم وتقلبات العملة والضغوط المالية سيجد نفسه أمام كلفة باهظة لإعادة الإعمار بعد النزاع، فإعادة بناء المنشآت العسكرية المتضررة، والبنية التحتية للطاقة، والمرافق المدنية، وشبكات النقل، تتطلب استثمارات ضخمة لا تملكها إيران حاليا، ولن تتمكن من الوصول إليها في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية.

لكن ربما تكمن أبرز التداعيات الاقتصادية المباشرة لاستراتيجية التصعيد الإيرانية في محيطها الإقليمي، فقد اعتمدت إيران خلال السنوات الماضية على التجارة مع دول الخليج كنافذة للتواصل الاقتصادي مع العالم، إلا أن هذه العلاقات باتت اليوم مهددة، ويبرز مثال التبادل التجاري مع دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تجاوزت التجارة الثنائية غير النفطية 29 مليار دولار في الفترة المنتهية في مارس 2025، ما جعل الإمارات بوابة إيران الأهم إلى الأسواق العالمية، غير أن الهجمات الإيرانية غير المحسوبة على الإمارات قد تكون قد قوضت علاقات تجارية استغرق بناؤها سنوات طويلة.

ويمتد هذا الخطر إلى تهديدات إيران لحركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعد شريانا حيويا لأمن الطاقة العالمي، إذ يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقول بحرا، إلى جانب حصة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال، وتصدر إيران نفسها ما بين 1.5 و1.7 مليون برميل يوميا، يذهب معظمها إلى الأسواق الآسيوية، حيث تستحوذ الصين وحدها على ما بين 85% و90% من هذه الصادرات، وبالتالي، فإن أي تعطيل طويل الأمد للمضيق قد يقيد قدرة إيران على التصدير، ويدفع المشترين إلى تنويع مصادرهم.

ورغم أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يحقق مكاسب قصيرة الأجل للدول المصدرة، فإنه يسرع في الوقت ذاته التحولات طويلة المدى في أسواق الطاقة العالمية، إذ تتجه الدول المستوردة إلى تنويع طرق الإمداد، والاستثمار في مصادر الطاقة البديلة، وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، ومن ثم، فإن استمرار عدم الاستقرار في المضيق قد يضعف القيمة الاستراتيجية لأدوات الضغط التي تسعى إيران لاستخدامها، ومع توجه العديد من الدول إلى مرافقة سفنها عسكريا لضمان مرورها الآمن، يتحول نفوذ إيران في المضيق إلى عبء يصعب تجاهله.

وفي بعد لا يقل أهمية، قد تكون الكلفة الأعمق لهذا التصعيد دبلوماسية أكثر منها اقتصادية، فقد شهد الشرق الأوسط خلال العقد الماضي تحولا تدريجيا نحو الانخراط البراغماتي مع الخصوم، حيث سعت دول عربية، مثل السعودية والإمارات وعمان، إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتقارب مع إيران، إلا أن الهجمات الإيرانية على جيرانها قوضت هذا المسار، ووضعتها في مواجهة مع محيطها الإقليمي، ما يهدد بتعميق عزلتها السياسية وتقليص وصولها إلى شبكات التجارة والتمويل والدبلوماسية التي تحتاجها لتحقيق تنميتها طويلة الأمد.

وفي المحصلة، تسعى إيران من خلال استراتيجيتها إلى إظهار قدرتها على الصمود، والتأكيد أن استقرار المنطقة مرهون باستقرارها، غير أن واقع الترابط الاقتصادي والتكامل الإقليمي والأسواق العالمية يعني أن أدوات الضغط لا تعمل في اتجاه واحد، وأن الكلفة الاقتصادية والدبلوماسية قد تقع في نهاية المطاف على عاتق إيران أكثر من غيرها، فدول الخليج ليست معزولة دبلوماسيا، كما أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 الذي أدان “الهجمات الصارخة” على دول الجوار يؤكد أنها تحظى بدعم دولي واسع.

إن الاستراتيجيات القائمة على التصعيد والعنف غالبا ما تحقق عوائد متناقصة، فكلما تعمق الاندماج الاقتصادي العالمي، ازدادت قيمة الاستقرار وحسن الجوار، وربما يجدر بإيران أن تدرك أن هذه العوامل، عند انتهاء الحرب وانقشاع غبارها، ستكون أكثر تأثيرا بكثير من أي مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *