راديو إكسبرس
البث المباشر
روز نجوجي : المديرة التنفيذية السابقة لمعهد كينيا لبحوث وتحليل السياسة العامة.
في أوائل دجنبر، دخلت الناشطة البيئية الكينية تروفينا موثوني التاريخ باحتضان شجرة لمدة 72 ساعة متواصلة. لم يكن الهدف زيادة الوعي بالتهديدات المتنامية التي يفرضها تغير المناخ وإزالة الغابات فحسب، بل كان أيضا تسليط الضوء على محدودية الجهود الدعوية التقليدية في الدفع بأي تغيير سياسي حقيقي.
يعكس احتجاج موثوني تحولا عالميا أوسع نطاقا. من الإضرابات المناخية في أوروبا إلى الاحتجاجات الطلابية في أميركا اللاتينية، اكتسبت الحركات الشبابية زخما في عام 2025، بما يشير إلى رفض متزايد بين الأجيال الشابة لقبول الاستجابات السياسية التدريجية لتحديات جهازية شاملة.
في مختلف أنحاء أفريقيا، تجاوزت المظاهرات التي قادها الجيل زد العام الماضي الحدود الوطنية والأنظمة السياسية. في كينيا، نزل الشباب إلى الشوارع بعد وفاة مُـدَوِّن ومدرس أثناء احتجازه لدى الشرطة؛ وفي مدغشقر، تسبب انقطاع المياه والكهرباء المتكرر في إشعال شرارة اضطرابات عامة؛ وفي المغرب، تركز الغضب على الوفيات التي يمكن الوقاية منها بين الأمهات أثناء الولادة.
المهم هنا أن هذه الاحتجاجات لم تكن مدفوعة بحوادث منعزلة، بل بإخفاقات الـحُـكم العميقة والمستمرة، حيث يطالب المتظاهرون باستجابات جهازية شاملة لمشكلات طال أمدها مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، والخدمات العامة التي لا يمكن التعويل عليها، وفجوات التفاوت الراسخة. لم تكن مخاوفهم ثانوية، وكانت مطالبهم مشتركة على نطاق واسع، وهو ما يفسر سبب انضمام النقابات العمالية وغيرها من القوى المؤثرة إلى التحركات التي قادها الشباب في بلدان مثل مدغشقر.
لقد أصبحت احتجاجات الشباب، في واقع الأمر، دلالة على سخط عام أوسع نطاقا. وهذا يطرح سؤالين على جانب عظيم من الأهمية: لماذا لجأ الشباب إلى الاحتجاج كوسيلة أساسية للمشاركة السياسية؟ وتحت أي ظروف تترجم الاحتجاجات إلى سياسات؟
أوضحت موجة الاحتجاجات التي اندلعت في عام 2025 أن القنوات الرسمية لمشاركة الشباب فاشلة. برغم أن دولا مثل كينيا، ومدغشقر، والمغرب أنشأت مجالس وطنية للشباب وهيئات استشارية أخرى، فإن المشاركة السياسية من جانب الشباب لا تزال مقيدة بحواجز بنيوية وجهازية.
نتيجة لهذا، يرى كثير من الشباب أنهم غير مُـمَثَّلين وصوتهم غير مسموع، فتتآكل ثقتهم في المؤسسات العامة. وتتعزز هذه التصورات بفعل القيود المفروضة على القدرات، حيث يفتقر الشباب في كثير من الأحيان إلى المهارات، والتدريب، والموارد اللازمة للإبحار عبر أنظمة السياسات المعقدة. من ناحية أخرى، تتسبب طبيعة الحركات الاحتجاجية المعاصرة التي تفتقر إلى القيادة في استبعادهم من المفاوضات الرسمية وعمليات صنع القرار.
ولكن حتى برغم هذا، أثرت احتجاجات الشباب في العام الماضي على عملية صنع السياسات من ثلاثة جوانب مهمة. أولا، تسبب الغضب العام الواسع الانتشار في إجبار الحكومات على إعادة النظر في الأولويات القائمة والتصدي لقضايا كانت موضع تهميش لفترة طويلة، مثل الوفيات بين الأمهات أثناء الولادة، والفساد، ومحدودية القدرة على الوصول إلى التكنولوجيات الرقمية. كما شكلت المناسبات العامة لإحياء ذكرى أولئك الذين فقدوا حياتهم بسبب عنف الشرطة تحذيرا من أن التقاعس عن العمل قد يؤدي إلى تجدد الاضطرابات.
ثانيا، أبرزت الاحتجاجات الفجوة العميقة بين الالتزامات السياسية والتنفيذ، حيث لفت المتظاهرون الانتباه إلى الفساد السياسي وسوء تخصيص الأموال العامة. في المغرب، على سبيل المثال، تركز غضب جماهير الناس على الاستثمارات الحكومية الضخمة في المرافق الرياضية في حين تظل الخدمات الاجتماعية الأساسية مثل الصحة والتعليم تفتقر إلى التمويل الكافي.
ثالثا، لفتت الاحتجاجات الانتباه إلى العواقب الحقيقية المترتبة على القرارات السياسية. وشكلت انقطاعات الكهرباء والمياه مثالا صارخا على ذلك: فقد كانت المجتمعات الأكثر فقرا عُرضة بشكل خاص للخطر لأن معظم الأسر تفتقر إلى بدائل قابلة للتطبيق للخدمات العامة، في حين تستطيع الأسر الأكثر ثراء والشركات الضخمة الاعتماد على الخدمات الخاصة. وقد ساعد نشاط الشباب في تسليط الضوء على أوجه التفاوت هذه.
يتوقف نجاح جهود حشد الشباب في إحداث تغيير دائم على عدة عوامل. ويشكل اجتناب العنف أهمية خاصة. ذلك أن المظاهرات عندما تتحول إلى أعمال عنف، تخاطر بخسارة الشرعية والدعم من جانب عامة الناس. في الواقع، تظهر الأبحاث على نحو مستمر أن الحركات السلمية يكون نجاحها في تحقيق أهدافها المعلنة أكثر ترجيحا.
علاوة على ذلك، في حين تميل حركات الاحتجاج إلى التركيز على أهداف عريضة، فإن النجاح يعتمد غالبا على صياغة مطالب واضحة والفوز بدعم جهات مؤثرة قوية. في مدغشقر، على سبيل المثال، اكتسبت الاحتجاجات زخما عندما تسبب الدعم من جانب المؤسسة العسكرية في تغيير ميزان القوى، على النحو الذي أدى إلى تكثيف الضغوط على السلطات السياسية والإطاحة بالرئيس أندري راجولينا.
كما تلعب استجابات صُـنّاع السياسات دورا حاسما في تشكيل النتائج. فبدلا من ربط الإصلاحات بشكل صريح بمطالب المتظاهرين، يعترف المسؤولون غالبا بالمشكلات الأساسية بينما ينأون بأنفسهم عن الحركات التي لفتت الانتباه الوطني إلى تلك القضايا.
من المؤكد أن فهم الشباب المحدود لكيفية توزيع السلطة والموارد يضعف نفوذهم السياسي. وعلى الرغم من ثقلهم الديموغرافي وإلمامهم بالتكنولوجيا، فإنهم يجدون صعبة كبيرة غالبا في منافسة جماعات المصالح الراسخة أو تحديد مواطن النفوذ.
إذا كانت الحكومات راغبة في لفت نظر الشباب إلى صنع السياسات كبديل جدير بالثقة للاحتجاجات، فعليها أن توفر فرصا حقيقية للتفاعل المباشر مع صناع القرار. ويجب أن يرافق هذا التفاعل أدوات عملية تساعد الشباب على فهم كيفية صنع السياسات وأين يمكنهم ممارسة النفوذ. ويُـعَد اقتراح المغرب بتوسيع المشاركة السياسية بين المواطنين دون سن 35 عاما نموذجا واعدا.
لكن المشاركة يجب أن تترجم إلى تحسينات ملموسة في حياة الناس. يجب أن تقترن زيادة الاستثمار في الصحة والتعليم، مثل الزيادة المقترحة في الميزانية بنسبة 16% في المغرب، بتمويل مخصص لمبادرات يقودها شباب، وأن تعززها آليات رصد وتقييم قوية.
سوف يتطلب التقدم الدائم أيضا إصلاحات شاملة للقطاع العام. ومن الممكن أن يعمل نهج موجه نحو المواطن، مدعوم بخدمة مدنية قادرة ومسؤولة، على تحسين عمليات تقديم الخدمات، وإعادة بناء الثقة، والحد من الاعتماد على الاحتجاج كقناة أساسية للتعبير السياسي.
لا ينبغي لصناع السياسات أن يستخفوا باحتجاجات الشباب باعتبارها اضطرابات عَرَضية، بل يجب أن يعترفوا بها كشكل من أشكال المردود الجماعي على إخفاقات الحوكمة. عندما تنهار قنوات المشاركة الرسمية، تصبح الاحتجاجات هي القاعدة. وينطوي تجاهل هذه الإشارات على خطر تعميق انعدام ثقة عامة الناس وتأجيج نيران اضطرابات متكررة.
على النقيض من ذلك، من الواضح أن الحكومات التي تستجيب بإصلاحات حقيقية، وحوار مستمر، وتحسينات ملموسة في تقديم الخدمات قادرة على تحويل نشاط الشباب من مصدر لانعدام الاستقرار إلى أساس لحكم أكثر شمولا ومرونة.
ترجمة: مايسة كامل Translated by: Maysa Kamel
![]()






