نجيبة جلال/
لم يكن خبر متابعة محمد مبديع في حد ذاته صادما، بل ما يكشفه من أوهام كانت تُسَوَّق لسنوات وكأنها حقائق. فالاعتقال لم يكن فجائيا ، بل لحظة كاشفة لثقافة متجذرة: ثقافة من يعتقد أن الموقع يحمي، وأن العلاقات تُحصّن، وأن الزمن كفيل بطمس كل شيء.
لسنوات، ظل اسم الرجل يتردد في سياقات لا تخلو من علامات استفهام ثقيلة. ومع ذلك، استمر في المشهد، يتحرك بثقة، بل وبجرأة مضاعفة. لم ينكفئ، لم يختفِ، لم يتردد في التموقع داخل مؤسسات حساسة، وكأن الرسالة واضحة: “أنا هنا… ولن يحدث شيء”. هذا السلوك لم يكن استثناءً، بل هو جزء من ذهنية أوسع، يتقاسمها كثيرون، داخل السياسة وخارجها.
المشكل الحقيقي ليس في شخص مبديع ، بل في نموذج. نموذج يتغذى على فكرة أن طول البقاء في المواقع يُنتج نوعًا من الحصانة غير المكتوبة. نموذج يخلط بين النفوذ والشرعية، بين العلاقات والقانون، بين الظهور الإعلامي والإفلات من المساءلة. و يعطون انطباعا أن لهم حصانة!
اعتقال مبديع جاء ليكسر هذا الإيقاع. ليس لأنه أول من يُتابع، ولا لأنه الوحيد الذي تحوم حوله الشبهات، بل لأن التوقيت والسياق حملا رسالة واضحة: لا أحد خارج المدار. لا لجنة برلمانية، ولا موقع انتخابي، ولا شبكة علاقات يمكن أن تشكل درعًا دائمًا أمام مسار قضائي حين ينطلق.
“ها وذني منكم” هذه المرحلة التي عاشها و لا زال يعيشها بعض الفاعلين، ملوحين بمواقعهم كأنها صكوك براءة مسبقة. يعتقدون أن القرب من مراكز القرار كافٍ لإغلاق الملفات، وأن الحضور الإعلامي يمكن أن يعوض قوة الحجة، وأن الزمن كفيل بإرهاق الحقيقة حتى تموت. لكن اعتقال مبديع أتبتث أن الزمن قد يبطئ، لكنه لا يُلغي.
الأهم من ذلك أن الدرس لا يخص السياسيين وحدهم. في الإدارة، في بعض المهن الحرة، في فضاءات النفوذ غير المرئي، هناك من يكرر نفس السلوك: تبجح بالموقع، استعراض للعلاقات، وإيحاء دائم بأن “الخط الأحمر” لن يُمس. هذه العقلية هي التي تصنع فجوة الثقة بين المؤسسات والمجتمع، وهي التي تُغذي الشعور بأن العدالة انتقائية… إلى أن تأتي لحظة تكذّب هذا الاعتقاد.
هذو الدرس، و تذكروا أن المسؤولية ليست مجرد لقب، بل التزام قابل للمساءلة. والموقع ليس حماية، بل قد يتحول إلى عبء حين تُفتح الملفات. أما العلاقات، فهي في أفضل الأحوال تفاصيل هامشية أمام مسار قانوني مُحكم.
الرسالة اليوم واضحة، لمن يريد أن يقرأ دون مكابرة:يمكنك أن تؤجل المواجهة، أن تناور، أن تراكم النفوذ… لكن لا يمكنك أن تضمن النهاية.
الدولة التي تمضي في تفعيل منطق المحاسبة، لا تعلن ذلك بالشعارات، و نحن، من نؤمن بالمؤسسات نقول في انفسنا أنه لكل أجل كتاب…و كتابكم مؤجل إلى حين .
![]()













