في زمن لم يعد فيه الإعلام مجرد وسيلة إخبار، بل أداة نفوذ وصناعة للتمثلات، يطفو على السطح سؤال حارق: ماذا تحقق فعلياً من مشروع الهولدينغ الإعلامي الوطني؟
هل دخل المغرب مرحلة الحسم في بناء قوة إعلامية موحدة، أم ما يزال يدور في فلك التصورات دون تنزيل حقيقي؟
النقاش لم يعد محصوراً داخل دوائر ضيقة، لأن طبيعة التحدي تغيّرت. نحن اليوم أمام رهان يتجاوز التنظيم والتدبير، ليلامس جوهر السيادة نفسها. فالإعلام لم يعد قطاعاً موازياً، بل أصبح جبهة قائمة بذاتها.
ضمن هذا السياق، يتحول موقع فيصل لعرايشي، على رأس الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، إلى أكثر من مجرد منصب إداري. نحن أمام مسؤولية قيادة مرحلة انتقالية دقيقة: تفكيك منطق التشتت، وبناء منظومة منسجمة قادرة على إنتاج خطاب موحد يعكس رؤية الدولة ويحمي مصالحها.
الرهان هنا واضح: الانتقال من إعلام متفرق إلى قوة إعلامية متماسكة.
السيادة الإعلامية، في معناها العميق، ليست مجرد تحكم في الوسائل، بل قدرة على فرض السردية. أن تقول من أنت، وكيف تُرى، ولماذا. وهي معركة تزداد تعقيداً في ظل بيئة رقمية مفتوحة، حيث تتقاطع المصالح وتتصارع الروايات، وحيث تصبح الصورة أحياناً أقوى من الوقائع.
لكن لا يمكن خوض هذه المعركة بأدوات مشتتة.
الهولدينغ، في جوهره، ليس هيكلاً إدارياً فقط، بل أداة لتجميع القوة: توحيد القرار، عقلنة الاستثمار، وضبط مسارات الإنتاج والتوزيع ضمن رؤية واحدة. بدون ذلك، يبقى الإعلام عرضة للتآكل التدريجي أمام زحف المنصات الدولية.
ومع ذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يُحسم في المكاتب، بل على الشاشة.
المحتوى هو جوهر المعركة.
هو ما يصنع التأثير، ويؤسس للثقة، ويمنح المعنى لفكرة السيادة. فلا يمكن الحديث عن حماية الهوية في ظل مضامين باهتة أو مستوردة أو منفصلة عن الواقع. المطلوب ليس فقط إنتاج برامج، بل بناء سردية وطنية متماسكة، تعكس عمق المجتمع وتنوعه.
من هنا، يبرز خلل لا يمكن تجاهله: استمرار منطق الريع داخل منظومة الإنتاج.
هذا النموذج لم يعد قادراً على مواكبة التحولات، بل يعيق بروز فاعلين جدد قادرين على الابتكار والمنافسة. المرحلة تفرض إعادة ترتيب قواعد اللعبة: دعم الكفاءة بدل العلاقات، وتشجيع الإبداع بدل إعادة التدوير.
الدراما، تحديداً، تمثل أحد أهم مفاتيح التأثير.
ليست مجرد ترفيه، بل أداة تشكيل للوعي الجماعي. دراما قريبة من الناس، صادقة في طرحها، متجذرة في بيئتها، يمكنها أن تعيد بناء الجسر بين الشاشة والمجتمع. وفي غياب ذلك، يظل المشاهد عرضة لاستهلاك نماذج جاهزة قادمة من الخارج.
غير أن التحول الأكبر يحدث خارج التلفزيون.
الرقمنة لم تغيّر الوسائل فقط، بل غيّرت قواعد اللعبة بالكامل.
السؤال لم يعد: هل نحن حاضرون رقمياً؟
بل: ماذا نقدم داخل هذا الفضاء؟
لأن الحضور بدون تأثير لا قيمة له.
والمحتوى الرقمي، لكي يكون مؤثراً، لا يجب أن يكون نسخة مشوهة من التلفزيون، بل منتوجاً قائماً بذاته، يعكس روح المجتمع ويخاطب جمهوره بلغته وأدواته.
هذا التحول يفرض إعادة تعريف العلاقة مع الجمهور، الذي لم يعد متلقياً، بل أصبح فاعلاً ومؤثراً في تشكيل المضامين. وهو ما يجعل من مشروع الهولدينغ لحظة مفصلية لإعادة التفكير في دور الإعلام العمومي ككل.
اليوم، لا ينقص المغرب لا الكفاءات ولا الإمكانيات.
ما ينقص هو الحسم.
الانتقال من منطق التسيير إلى منطق البناء، من رد الفعل إلى الفعل، من التردد إلى القرار. وهنا تتجسد المسؤولية في أعلى مستوياتها، حيث يصبح التأجيل في حد ذاته موقفاً، وربما كلفة.
في النهاية، لم يعد ممكناً التعامل مع السيادة الإعلامية كخيار مؤجل.
هي ضرورة تفرضها تحولات العالم، وتستدعي إعلاماً عمومياً قوياً، واثقاً، وقادراً على مخاطبة الداخل والخارج بنفس القوة.
ويبقى السؤال معلقاً، بصيغة أكثر وضوحاً هذه المرة:
هل نحن بصدد تأسيس قوة إعلامية وطنية حقيقية… أم أننا نضيع وقتاً ثميناً في لحظة لا ترحم المترددين؟
![]()



















