راديو إكسبرس
البث المباشر
بينما كانت شبه الجزيرة الإيبيرية تحصي ضحاياها وتستعد لموجة اضطرابات جديدة، مرّ إعصار “ليوناردو” على المغرب من دون أن يخلّف خسائر بشرية، رغم اتساع رقعة الفيضانات وحجم المخاطر التي هددت مناطق واسعة شمال البلاد. مفارقة لافتة أعادت طرح سؤال جوهري: كيف نجح المغرب في تفادي الأسوأ، في وقت عجزت دول أوروبية مجاورة عن ذلك؟
الإعصار نفسه، والكتلة الجوية ذاتها، ضربت المغرب وإسبانيا والبرتغال. غير أن النتائج جاءت متباينة. في البرتغال، توفي رجل سبعيني بعدما جرفت مياه الفيضانات سيارته قرب أحد السدود جنوب البلاد. وفي إسبانيا، فُقدت امرأة في ملقة وسط سيول جارفة، وتحوّلت مناطق بأكملها في الأندلس إلى بؤر خطر دفعت السلطات إلى إجلاء آلاف السكان وإغلاق طرق رئيسية، في مشهد يعكس حجم الارتباك الذي تسببه العواصف حين تتجاوز القدرة على الاستيعاب.
في الجهة الأخرى من المتوسط، كان المشهد مختلفاً. المغرب واجه تساقطات قوية وارتفاعاً مقلقاً في منسوب الأودية، لكن المقاربة التي تم اعتمادها بدت حاسمة منذ اللحظات الأولى. إخلاء وقائي واسع النطاق شمل أكثر من 154 ألف شخص، تركيز خاص على المناطق الأكثر هشاشة، وحضور ميداني للسلطات مكّن من تقليص المخاطر قبل تحوّلها إلى مآسٍ إنسانية.
اللافت أن الأرقام، التي قد تُقرأ في ظاهرها كدليل على حجم الأزمة، تحولت عملياً إلى مؤشر على نجاعة التدبير. حين تُجلي دولة هذا العدد الكبير من السكان دون تسجيل وفيات، فهي تراهن على الوقاية لا على ردّ الفعل، وتختار كلفة الاستباق بدل كلفة الفاجعة. هذا الخيار، الذي أصبح جزءاً من العقيدة المغربية في تدبير الكوارث الطبيعية خلال السنوات الأخيرة، لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكم خبرة ميدانية واستثمار في آليات الإنذار والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
في إسبانيا، ورغم الإمكانيات التقنية والبشرية الكبيرة، فرضت سرعة تشبع التربة وارتفاع منسوب الأنهار واقعاً صعباً، واضطرت السلطات إلى التعامل مع الخطر وهو في أوجه. الإجلاء تم في كثير من الحالات تحت ضغط الوقت، وسط استمرار التساقطات، ما جعل هامش الخطأ أوسع وكلفته أعلى. أما في البرتغال، فقد كشفت الحوادث المتكررة خلال هذا الشتاء عن هشاشة بعض المناطق أمام الفيضانات المفاجئة، خصوصاً قرب السدود والمسالك الثانوية.
المقارنة هنا لا تُختزل في تعداد الضحايا، بل تمتد إلى فلسفة التدبير. المغرب اختار منذ سنوات أن يتعامل مع الظواهر المناخية القصوى باعتبارها احتمالاً دائماً، لا حدثاً استثنائياً. لذلك، حين جاءت عاصفة “ليوناردو”، كانت منظومة التدخل جاهزة، من الإخلاء المبكر إلى تعبئة الموارد، مروراً بتواصل رسمي يهدف إلى طمأنة الرأي العام دون التقليل من حجم المخاطر.
هذه التجربة، التي تمر اليوم بهدوء نسبي داخل المغرب، تكتسب معناها الكامل حين توضع في سياقها الإقليمي. فبينما لا تزال إسبانيا تحبس أنفاسها مع اقتراب عاصفة جديدة، وتواصل البرتغال رفع درجات التأهب، يظهر أن الرهان على الاستباق والتدخل المبكر لم يكن خياراً تقنياً فقط، بل قراراً استراتيجياً أنقذ الأرواح.
في زمن تتزايد فيه حدة الاضطرابات المناخية، لم يعد التفوق يُقاس بقدرة الدول على إصلاح ما دمرته الكوارث، بل بقدرتها على منع الكارثة قبل وقوعها. وفي اختبار “ليوناردو”، قدّم المغرب نموذجاً هادئاً، بلا ضجيج، لكنه فعّال، في كيفية تحويل العاصفة من تهديد وجودي إلى أزمة مُتحكم فيها.
![]()






