راديو إكسبرس
البث المباشر
ليست قضية جيفري إبستين مجرد ملف جنائي أُغلق بوفاة غامضة، ولا فضيحة أخلاقية عابرة شغلت الرأي العام ثم تراجعت. ما كُشف في هذه القضية يتجاوز الأسماء والتواريخ ليصيب جوهر الطريقة التي تُدار بها السلطة في عالم اليوم، حيث تتشابك الثروة والنفوذ والعلاقات العابرة للحدود لتصنع مناطق محرّمة على المساءلة.
لقد بدا إبستين، في مساره الطويل، أقلّ من أن يكون استثناءً، وأكثر من أن يكون فرداً منحرفاً. كان مرآةً لنمط متكامل من الحكم الخفي، يمكن تسميته – دون تهويل – بـ«الإبستينية»: منظومة غير معلنة تُفرغ القانون من مضمونه، وتحوّل الصمت إلى سياسة، والإفلات من العقاب إلى قاعدة عمل.
فضيحة معلومة… وردّ مخفف
لم تكن الوقائع مجهولة. شكاوى، شهادات، تحقيقات صحفية، وإجراءات قضائية بدأت ثم توقفت أو خُففت على نحو يثير الريبة. ورغم خطورة الاتهامات، حظي الرجل بمعاملة استثنائية، وبمسارات قانونية أقل قسوة مما يُفترض في قضايا من هذا النوع.
المفارقة الصادمة ليست في الجريمة وحدها، بل في الهوة بين جسامتها وبين ردّ فعل المؤسسات. هنا تتكشف الفضيحة الحقيقية: وجود «دائرة محصّنة» تعمل فوق القانون، لا تنتمي إلى دولة بعينها، بل إلى شبكة نفوذ كونية تتقاسم المصالح وتحمي ذاتها.
حين يصبح الفساد رأسمالاً
في منطق «الإبستينية» لا يؤدي الخطأ إلى السقوط، بل قد يصبح ضمانة للبقاء. السر المشترك يتحول إلى عقد ولاء، والتواطؤ المتبادل يصبح تأميناً ضد المحاسبة. ما كان يُفترض أن يُقصي، يتحول إلى أداة ضبط وهيمنة.
لسنا هنا أمام انحرافات شخصية، بل أمام فساد بنيوي، حيث تُستخدم الرذيلة كوسيط قوة، لا كوصمة. وحين يحدث ذلك، تنهار الحدود بين الخاص والعام، وبين الجريمة والسياسة.
عدالة بمعايير متحركة
تُعيد هذه القضية طرح سؤال تحاول الديمقراطيات الهروب منه: هل المساواة أمام القانون حقيقة أم شعار؟ الواقع يُظهر عدالة بسرعتين؛ واحدة صارمة للفئات العادية، وأخرى مرنة لأصحاب النفوذ، تُفصَّل على قياس العلاقات والقدرة على استدعاء الوسطاء.
وعندما تُكيّف العدالة نفسها وفق الموقع الاجتماعي، تفقد معناها كضامن للحقوق، وتتحول إلى أداة لإعادة إنتاج التراتب. هنا تصبح الأزمة سياسية وحضارية، لا قانونية فقط.
الصمت… شريك في الجريمة
ما كان لهذا النمط أن يستمر لولا خلل عميق في دور الوساطة الإعلامية. نعم، وُجد صحفيون نبشوا الملف، ودفع بعضهم أثماناً مهنية باهظة. لكن كثيراً من هذه التحقيقات حوصرت، أو هُمّشت، أو أُبعدت عن مركز النقاش العام.
لم يكن الصمت كاملاً، بل مُداراً بذكاء، وموزعاً وفق توازنات القوة. وهو ما يكشف حدود استقلال الإعلام في منظومة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والسياسية.
بعد إبستين… كل شيء على حاله
قُدّم موت إبستين كخاتمة درامية مريحة. غير أن الشبكات التي حمت، والآليات التي عطّلت المحاسبة، لم تُفكك. لم تظهر الصورة الكاملة، ولم تُغلق الدائرة.
هذه هي خطورة «الإبستينية»: قدرتها على الاستمرار بعد سقوط الواجهة، وعلى إعادة إنتاج نفسها بأشكال أقل فجاجة، لكنها أكثر رسوخاً.
هل من قطيعة ممكنة؟
إنهاء هذا النمط لا يتحقق بإشارات رمزية أو بيانات أخلاقية. المطلوب تحوّل جذري يقوم على:
قضاء مستقل فعلاً، لا يعرف حصانات غير مكتوبة؛
حماية حقيقية للمبلّغين، لا تتركهم فريسة للعقاب؛
صحافة متحررة من ضغط المال والسياسة؛
شفافية صارمة في العلاقة بين السلطة والثروة؛
وإعادة الاعتبار للأخلاق العامة كشرط للشرعية، لا كزينة خطابية.
اختبار الزمن الديمقراطي
تضع «الإبستينية» المجتمعات المعاصرة أمام سؤال حاسم: إلى أي حد يمكن التعايش مع ما لا يُحتمل باسم الاستقرار؟ كلما تأخر الجواب، تكررت الفضائح، وتبدلت الوجوه، وبقي النظام نفسه قائماً.
الخطر ليس في شخص، بل في عالم تُدار فيه السلطة بلا ضمير، وتُفاوض فيه القيم. وحين يقبل مجتمع بذلك، فهو لا يفرّط في العدالة فقط، بل يتخلى طوعاً عن كرامته.
![]()






