فيضانات الغرب المغربي: امتحان الوطن والضمير

فيضانات الغرب المغربي: امتحان الوطن والضمير

- ‎فيمجتمع, واجهة
Capture decran 2026 02 04 134011
Stylish Audio Player

راديو إكسبرس

البث المباشر

 

نجيبة جلال/

تمر بلادنا هذه الأيام بمنعطف صعب، حيث الطبيعة لا تعرف هوادة، والسماء تُعلن عن غضبها في صورة أمطار غزيرة، ورياح عاتية، وثلوج تغطي المرتفعات. في الغرب المغربي، من القصر الكبير إلى واد المخازن إلى حوض لوكوس تجلى هذا الغضب في فيضانات جارفة اجتاحت المنازل والشوارع، محولة الطرق المعبدة إلى بحيرات عاتية، ومحوّة معالم المدن كما لو أن اليد البشرية فقدت قدرتها على الصمود أمام هذا السيل العارم.

لكن الكارثة الطبيعية، مهما كانت قوتها، ليست مجرد حدث جغرافي أو تقلب مناخي، بل هي اختبار حقيقي للأمة، ولمؤسسات الدولة، ولروح التضامن التي طالما كانت ميزة الشعب المغربي. فالإنسان في مواجهة الفيضان، لا يمكنه أن يقف مكتوف اليدين، ولا أن يحلّ القضايا بمنطق الحسابات الضيقة، ولا أن يبحث عن مكاسب سياسية في معاناة الآخرين.

في هذه اللحظات، يظهر بوضوح من يقف في الصفوف الأمامية لإنقاذ الأرواح، ومن يحاول تحويل المصائب إلى منصة سياسية. من لديه حسابات سياسية ضيقة، أو خلافات شخصية مع المسؤولين، أو نزاعات مع مؤسسات الدولة، عليه أن يؤجل كل ذلك. التاريخ لن يمنح الرحمة لمن انشغل بتصفية الحسابات بينما المواطن يغرق في المياه، أو يخشى على حياته وحياة أسرته. الإنسانية لا تنتظر، ولا تحتمل الانتظار، ولا تقبل المناورات السياسية.

الدولة، بمؤسساتها الأمنية ورجال الوقاية المدنية والدرك والقوات المساعدة، تقود المعركة في خط النار. عمليات الإخلاء تتم تدريجياً وفق تطور الوضع على الأرض، فيما يتم توفير مأوى مؤقت للمتضررين، واستقبال من فقدوا منازلهم في معسكرات آمنة، أو استضافتهم الأسر القريبة. هذا التدخل السريع يؤكد مرة أخرى أن المجهود الوطني ليس شعاراً يُكتب على الورق، ولا تصريحات تتناقلها وسائل الإعلام، بل عمل ميداني دقيق، يضع الأرواح فوق كل اعتبار.

ما يحدث اليوم في الغرب المغربي هو مشهد لم تعد فيه قوة الكلمات أو جاذبية التصريحات كافية؛ الواقع تجاوز بجموحه أي خيال سينمائي. القصر الكبير وواد المخازن تحولت معالمهما إلى لوحات سريالية، حيث المياه تختلط بالأبنية، والطرق تتحول إلى بحيرات، وسكان المدينة يعيشون تجربة تفرض عليهم الصمود، وتجبر الدولة على العمل بسرعة وحزم غير مسبوقين.

في هذا السياق، يظهر الدرس الأكبر: الأمة ليست مجرد كتل سياسية، والمؤسسات ليست مجرد هياكل إدارية، والتاريخ لا يرحم من يغرق في الجدل العقيم بينما الغرق يهدد الأرواح. التضامن، العمل الميداني، الاستجابة السريعة، هذه هي مقاييس الوطنية الحقيقية التي تختبرنا أمام قوة الطبيعة.

اليوم، كل صوت سياسي أو إعلامي مهما كانت قوته، يجب أن ينسحب أمام صوت صافرات الإنذار، وأزيز مضخات المياه، وأقدام فرق الإنقاذ التي تسابق الزمن. العمل الميداني، وليس الشعارات، هو الذي يحقق الفرق، وإنقاذ الأرواح هو المعيار الذي سيظل خالداً في ذاكرة الشعب، والضمير الوطني هو الحكم النهائي على كل من وقف أو تأخر أو تغافل.

إن الفيضانات لم تعد مجرد مأساة جغرافية؛ إنها حرب صامتة على الأرواح، والوطني الحقيقي هو من يضع يده في اليد الأخرى، ومن يسارع الزمن بالعمل والجهد والمال والوعي، ومن يجعل التضامن ليس خياراً، بل واجباً مقدساً يعلو فوق كل حسابات شخصية وسياسية. التاريخ سيحاسبنا جميعاً، ولن يكون هناك مكان لمن تأخر أو ابتعد، لأن اليوم، الميدان هو الحكم، والزمن هو الفرصة، والإنسانية هي القاعدة المطلقة.

نسأل الله السلامة لكل المتضررين، ونشد على أيدي رجال الدولة والمجتمع المدني وكل من يقف في الخطوط الأمامية، فالتاريخ لا ينسى، والأرواح المغربية لا تُساوم، والوطن هو الذي يبقى في النهاية، أقوى وأكثر تماسكا أمام كل تقلبات الطبيعة والتحديات.

Loading

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *