راديو إكسبرس
البث المباشر
ليست الكلمات الحادة هي ما يزعج في السياسة، بل الحقائق حين تصبح قابلة للافتحاص. ولهذا تحديدًا، أُطلقت تهمة فراقشية الإعلام في وجه أعضاء الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين. لم تكن التهمة توصيفًا بقدر ما كانت محاولة استباق، لأن من يعرف مسار هذا القطاع يدرك أن أول من يخشى الافتحاص هو أول من يهاجم.
اليوم، ومع إصرار الجمعية على اللجوء إلى المجلس الأعلى للحسابات لفتح ملف الدعم العمومي للمقاولة الصحفية من 2005 إلى 2025، لم تعد المعركة كلامية. لقد انتقلت من منابر الخطابة إلى مكاتب التدقيق، ومن الصراخ إلى الوثيقة. وهنا تبدأ المتاعب الحقيقية لمن اعتادوا إدارة القطاع في الظل.
اللجوء إلى المجلس الأعلى للحسابات ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل تحولًا في ميزان القوة. لأنه يعني فتح السلسلة كاملة. من قرر، من استفاد، كيف صُرف المال، وما الذي عاد به على المهنة. وعندما تُطرح هذه الأسئلة دفعة واحدة، يصبح مفهوم الفراقشية أكثر دقة. فالفراقشي الحقيقي ليس من طالب بالإصلاح، بل من تحكم في الدعم لسنوات، وجعله أداة ضبط للمشهد الإعلامي، يرفع من يشاء ويقصي من يشاء، دون أثر يُذكر على جودة الصحافة أو أوضاع الصحفيين.
إن من يتهمون اليوم الجمعية بالفراقشية سيتساقطون تباعًا، لأن مسار الافتحاص لا يرحم الخطاب. سيظهر من كانت له اليد الطولى في توجيه الدعم، ومن ربطه بقانون المجلس الوطني للصحافة ليضمن تمثيلية مفصلة على المقاس، وليحوّل التنظيم الذاتي إلى امتداد للنفوذ المالي.
وهنا يجب قول الحقيقة كاملة. معركة الدعم العمومي ليست منفصلة عن معركة قانون المجلس الوطني للصحافة. هما وجهان لمنظومة واحدة. من يتحكم في القانون يتحكم في المجلس، ومن يتحكم في الدعم يتحكم في السوق، والنتيجة صحافة بلا استقلال ومقاولات بلا روح.
أما الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين، فقد جاءت في لحظة اختناق، لا لتعيد إنتاج المنظومة، بل لتكسرها. جاءت بمشروع معلن لإنقاذ القطاع، يقوم على ربط الدعم بالاستدامة، وبناء مقاولات حقيقية، وتحرير التنظيم المهني من منطق الهيمنة. ولهذا كان الهجوم عليها عنيفًا، لأن كل مشروع إصلاحي حقيقي يبدأ بإزعاج المستفيدين من الفوضى.
اللجوء إلى المجلس الأعلى للحسابات يعني ببساطة أن زمن الصراخ يقترب من نهايته، وأن زمن الفرز قادم. وعندما يصدر التقرير، لن تعود هناك حاجة للنعوت. ستتكفل الأرقام بتحديد من كان فراقشيًا بالفعل، ومن كان شاهدًا على مرحلة أراد لها البعض أن تستمر إلى ما لا نهاية.
في المحصلة، لسنا أمام صراع أشخاص ولا أمام معركة ألفاظ، بل أمام لحظة حاسمة في تاريخ الصحافة المغربية. إما أن تنتصر الشفافية، أو يستمر التحكم متخفيًا وراء الشعارات. الجمعية اختارت أن ترمي الكرة في ملعب الرقابة الدستورية، وهذا وحده كافٍ ليضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
من يراهن على الضجيج سيخسره مع أول تقرير.
ومن يراهن على الوثيقة سينتصر ولو بعد حين.
أما الفراقشية الحقيقيون، فلن يسقطوا بفعل مقال، بل بثقل ما راكموه حين ظنوا أن الذاكرة قصيرة وأن الحساب لن يأتي.
![]()




