راديو إكسبرس
البث المباشر
في لحظة مؤسساتية وازنة، قدّم الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، هشام بلاوي، أمام المجلس الأعلى للسلطة القضائية، التقرير السنوي لرئاسة النيابة العامة برسم سنة 2024، واضعاً أمام المؤسسة الدستورية صورة شاملة، دقيقة، وأحياناً جريئة عن واقع النيابات العامة، بين ما تحقق من منجزات وما يفرضه الواقع من تحديات ملحّة.
التقرير، في نسخته الثامنة منذ استقلال النيابة العامة سنة 2017، لا يكتفي بسرد الأرقام أو استعراض الحصيلة، بل يعكس مساراً تراكمياً يروم ترسيخ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويؤكد أن رئاسة النيابة العامة باتت فاعلاً مركزياً في تنزيل السياسة الجنائية وفي إصلاح منظومة العدالة ككل.
تحول رقمي وتحديث هيكلي
أولى محطات التقرير كانت الباب التمهيدي، الذي أبرز سنة 2024 كمرحلة مفصلية في مسار التحديث الهيكلي والتحول الرقمي. فقد أسفرت مراجعة التنظيم الإداري عن إحداث “قطب التحديث ونظم المعلومات”، في خطوة تعكس وعياً متزايداً بأن العدالة اليوم لا يمكن أن تشتغل بالأدوات التقليدية نفسها. هذا القطب، إلى جانب باقي البنيات، شكّل رافعة لتسريع الرقمنة، من التوقيع الإلكتروني إلى لوحات القيادة الذكية، مروراً بتطوير أنظمة تتبع القضايا وتعزيز الأمن السيبراني، انسجاماً مع التوجهات الوطنية لمشروع “المغرب الرقمي 2030”.
وفي السياق نفسه، واصلت رئاسة النيابة العامة لعب دورها التأطيري عبر إصدار 19 دورية خلال السنة، همّت تنفيذ السياسة الجنائية، والعقوبات البديلة، والتعاون القضائي الدولي، وتوحيد الممارسات المهنية داخل النيابات العامة، بما يضمن انسجام العمل القضائي على الصعيد الوطني.
أرقام تكشف حجم الضغط
الباب الأول من التقرير يضع القارئ أمام أرقام تعكس حجم الضغط اليومي على قضاة النيابة العامة. فعددهم بلغ 1223 قاضياً وقاضية، بزيادة ملحوظة مقارنة بسنة 2023، لكنها تظل غير كافية أمام الخصاص البنيوي، خاصة إذا ما قورنت بالمعدلات الدولية. ومع ذلك، تمكنت النيابات العامة من تصفية أزيد من 497 ألف شكاية، وإنجاز أكثر من 2.3 مليون محضر، مع تقليص ملموس في حجم المخلف، وهو ما يعكس تحسناً في النجاعة وتنسيقاً أوثق مع الشرطة القضائية.
الأرقام المرتبطة بالاعتقال الاحتياطي حملت بدورها دلالات قوية، إذ سجلت سنة 2024 أدنى نسبة خلال العقد الأخير، في مؤشر على نجاح المقاربة الرامية إلى ترشيد هذا الإجراء الاستثنائي، وتعزيز البدائل القانونية، بما يوازن بين حماية الأمن وضمان الحقوق والحريات.
سياسة جنائية بوجه حقوقي
في باب تنفيذ السياسة الجنائية، يتضح أن البوصلة ظلت موجهة نحو حماية حقوق الإنسان. فقد تعاملت النيابات العامة بجدية مع ادعاءات سوء المعاملة والتعذيب، وأكثرت من زيارات أماكن الحرمان من الحرية، متجاوزة في أحيان كثيرة الحد الأدنى المفروض قانوناً. كما واصلت جهودها لحماية الفئات الخاصة، مع تسجيل تراجع في قضايا العنف ضد النساء، مقابل ارتفاع مقلق في العنف ضد الأطفال، ما استدعى تعزيز آليات الحماية والتدخل.
أما في مجال تخليق الحياة العامة، فقد أكد التقرير فعالية الخط المباشر للتبليغ عن الرشوة، حيث أفضت مكالماته إلى ضبط حالات تلبس وإصدار أحكام بالإدانة، في رسالة واضحة بأن محاربة الفساد لم تعد شعاراً بل ممارسة يومية.
توصيات واقعية وأسئلة مفتوحة
خلاصات التقرير لم تكن مجاملة. فقد دقّت ناقوس الخطر بشأن الخصاص الحاد في الموارد البشرية، والحاجة إلى ما يقارب 800 قاضٍ إضافي، فضلاً عن أطر متخصصة في المجال الاجتماعي والمعلوماتي. كما شددت التوصيات على ضرورة تسريع إصلاح الترسانة القانونية، وتحيين القانون الجنائي، وتوسيع نطاق الرقمنة ليشمل التبليغ الإلكتروني والأبوستيل عن بعد، وتوفير بنيات ملائمة لحماية الأطفال وضحايا الاتجار بالبشر.
في المحصلة، يقدّم تقرير رئاسة النيابة العامة برسم سنة 2024 صورة مركبة: إنجازات حقيقية في التحديث وترشيد الممارسة، يقابلها ضغط متزايد وتحديات بنيوية لا يمكن تجاوزها إلا بإصلاحات تشريعية عميقة واستثمار أكبر في العنصر البشري. وبين هذا وذاك، يظل الرهان الأساس هو تعزيز ثقة المواطن في العدالة، وجعل النيابة العامة، كما أكد رئيسها، أقرب إلى المجتمع وأكثر وفاءً لقيم دولة الحق والقانون.
![]()




