راديو إكسبرس
البث المباشر
صاحب الجزيرة
لو كان جيفري إبستين قد اضطر إلى جزيرة نائية في الكاريبي ليؤسس إمبراطورية الاستغلال بعيداً عن أعين العالم، فإن إبستين الصغير المغربي لم يحتاج سوى لمكتب وسط الدار البيضاء. مكتب صغير لكنه كافٍ ليصبح جزيرته الخاصة، حيث تتحول السلطة إلى أداة للهيمنة، والتوظيف إلى مصيدة، والإعلام إلى فخ.
في هذا الفضاء المغلق، لم تكن هناك طائرات خاصة ولا منتجعات بعيدة، بل قلم يوزع به صكوك الوطنية نهاراً وكاميرات خفية توثق استباحة أجساد النساء ليلاً. هنا سقطت ورقة التوت عن صحفي ادعى طويلاً الدفاع عن القيم، لتكشف المحاكمات والوقائع عن وجه بشع، وجعلت لقب إبستين الصغير تشخيصاً دقيقاً لسادية مستمدة قوتها من استغلال الخوف الوظيفي والهشاشة الاجتماعية.
فداحة ما اقترفه بوعشرين لا تكمن فقط في الجريمة نفسها، بل في ازدواجيته المقيتة؛ واعظ أخلاقي نهاراً ومفترس يستغل نفوذه ليلاً. والمأساة الحقيقية تتجاوز الفرد لتفضح انفصاماً جماعياً؛ جمهور يندد بالإبستينية الغربية ويصفها بالانحطاط، وفي الوقت ذاته يستمع هنا لمن ثبت قضائياً أنه حول مكتبه إلى استوديو لاستغلال النساء، ويمنحه اهتمامه وكأنه يقدم دروساً في الأخلاق والسياسة.
تخيلوا سيناريو مستحيل؛ لو نجا إبستين من سجنه وظهر على شاشات العالم ليحلل السياسة ويعطي النصائح الأخلاقية، كان الغرب كله سيقابله بالرفض والاشمئزاز، ويطويه في مزبلة التاريخ. أما في المغرب، فالواقع أدهى؛ جمهور يرفع شعار القيم، لكنه يسمح لمن حول مكتبه إلى جزيرته الخاصة بأن يطعن في كرامة النساء ويستمر في التأثير على الرأي العام.
الاستماع إلى مثل هذه الأصوات ليس مجرد حرية رأي، بل مشاركة صامتة في تبييض الانتهاك، وإهانة متجددة للضحايا، واستمرار لجزيرة إبستين المحلية التي تتحرك بحرية تحت أعين المجتمع. إنها استعارة للنفوذ المسيس، للسادية المقنعة، ولقدرة البعض على تحويل السلطة إلى حصن آمن للانتهاك، بينما يظل الجمهور منشغلاً بالرموز الأجنبية، متجاهلاً الانكسارات المحلية التي تحدث أمام أعين الجميع.
في النهاية، جزيرة إبستين ليست مجرد مكان، بل حالة اجتماعية وأخلاقية، انعكاس لضعف الرقابة، ولانفصام الرأي العام، ولخطر التسامح مع الاستغلال عندما يتقن صاحبه الكلام أكثر من الضحايا ويستدرج الصمت أكثر من الغضب.
![]()






